موقع بصراوي / حوارات /
حاورتها: كمال الحجامي
تُعدّ الشاعرة والأديبة الجزائرية لامية عويسات من الأصوات الأدبية البارزة في فضاء الشعر الحر، مع ميل واضح إلى المدرسة الرمزية في الكتابة، حيث تتعامل مع النص بوصفه بنية دلالية قائمة على الإيحاء والتكثيف، مما يمنح نصوصها طابعًا تأمليًا وعمقًا فكريًا بعيدًا عن المباشرة.
نشأت لامية في بيئة ثقافية غنية بالأدب والفكر، فوالدها كان يكتب باللغة الفرنسية، ووالدتها تعمل في الصحافة، ما جعلها تنمو وسط عالم أدبي وفني ترك أثرًا عميقًا في تجربتها الإبداعية.
إلى جانب مسيرتها الأدبية، تعمل أستاذة في العلوم الطبيعية، وهي خريجة فلسفة وعلم نفس، وهو ما أضفى على كتابتها بعدًا معرفيًا يجمع بين العلمي والإنساني، وانعكس بوضوح في نصوصها وقصيدتها المعروفة “مشاعر في مهب الريح”.
كيف بدأتِ علاقتكِ مع الكتابة؟
بدأت تجربتي مع الكتابة منذ سن مبكرة، وكان ذلك من خلال أدب الرسائل والبوح الشخصي. نشأت في بيئة أدبية غنية، وكانت الكتابة تقترب مني كما تقترب مياه البحر من الشاطئ. كنت أكتب بما يمليه عليّ شعور عميق ورغبة في التعبير عن نفسي.
لاحقًا تطورت هذه التجربة نحو الشعر الحر، وظهر لدي ميل واضح إلى الرمزية، لأنها تمنحني فرصة استخدام اللغة كوسيلة للإيحاء والتكثيف. بالنسبة لي، الشعر ليس مجرد كلمات، بل هو حركة روحية وفكرية تنبثق من أعماق الذات.
وقد لعب الأستاذ والناقد زين المعبدي دورًا مهمًا في توجيه تجربتي الأدبية، حيث ساعدني في تعميق الرؤية الجمالية وفهم أبعاد الشعر الرمزي واستثمار اللغة في نقل الأعماق الإنسانية.
كيف ترين الذكاء الاصطناعي في علاقته بالأدب؟
الذكاء الاصطناعي أداة رائعة في عصرنا الحالي، فهو يسرّع الوصول إلى المعرفة وتبادل الأفكار بين المبدعين، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية في الكتابة.
الأدب بالنسبة لي تجربة إنسانية غنية بالذكريات والمشاعر، تنطلق من الوجدان الداخلي. لا يمكن للأجهزة أن تمتلك القدرة على الإحساس بعمق التجربة البشرية، ولذلك يبقى للإنسان الدور الأساسي في خلق النصوص الحقيقية.
هل للمرأة حضور إبداعي مؤثر في الأدب العربي؟
المرأة اليوم تثبت نفسها بقوة في المجالات الأدبية والفنية كافة، فالإبداع لا يرتبط بالجنس بل بقدرة الإنسان على التعبير الفني. ما تقدمه الكاتبة العربية اليوم يثري المشهد الأدبي ويعيد تشكيله بأسلوب جمالي عميق.
من الأسماء المؤثرة في هذا المجال نوال السعداوي، وغادة السمان، ودعاء عبد الرحمن، وغيرهن من الكاتبات اللواتي قدمن أصواتًا قوية وتجارب مميزة ساهمت في إثراء الأدب العربي الحديث.
كيف ترين حال الصحافة الورقية اليوم؟
الصحافة الورقية كانت وستظل جزءًا من التاريخ الثقافي لكل أمة، وقد لعبت دورًا مهمًا في نشر الفكر والأدب. لكننا اليوم نعيش عصرًا رقميًا تراجعت فيه الصحف الورقية أمام الإعلام الإلكتروني.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل القيمة العميقة التي كانت تقدمها الصحافة الورقية من حيث المحتوى الرصين والتحليل العميق. وأرى أنه يجب فتح مساحات أوسع فيها للنشر، خاصة للأصوات الجديدة من الكتاب والشعراء.
ما أهمية الترجمة في نقل الثقافة العربية؟
الترجمة هي الجسر الحقيقي بين الثقافات، وهي تفتح نوافذ جديدة للآخر كي يطّلع على واقعنا الثقافي والأدبي والسياسي. لكنها ليست مجرد نقل كلمات، بل فن يحتاج حساسية كبيرة للحفاظ على روح النص الأصلي.
ماذا تضيف المهرجانات الأدبية للمبدع؟
المهرجانات الأدبية تمثل فرصة حيوية للتفاعل والتواصل بين المبدعين، وهي محطات ثقافية تضيف للشاعر والكاتب الكثير من خلال تبادل الخبرات والرؤى الجديدة.
من أبرز هذه المهرجانات: مهرجان المربد الشعري في العراق، وشاعر المليون في الإمارات، ومهرجان القراءة في المغرب، وسوق عكاظ في السعودية، وغيرها من الفعاليات التي تمنح المبدعين منصة حقيقية للظهور.
كيف دمجتِ الفلسفة وعلم النفس في إبداعك؟
دراستي للعلوم الطبيعية والفلسفة وعلم النفس أثرت كثيرًا في كتابتي. الفلسفة علمتني البحث عن المعنى، وعلم النفس منحني القدرة على فهم دوافع الشخصيات والصراعات الداخلية للنفس البشرية.
في قصيدتي “مشاعر في مهب الريح” يظهر هذا التأثير بوضوح، حيث لا أتعامل مع الشخصيات بوصفها رموزًا فقط، بل باعتبارها تعبيرًا حيًا عن الاضطرابات النفسية والصراعات العاطفية.
أرى أن الأدب والفلسفة وعلم النفس لا يفصل بينها سوى جدار رقيق، وكل واحدة منها تثري الأخرى وتعمق فهمنا للوجود الإنساني.
ما مشاريعك الأدبية القادمة؟
أعمل حاليًا على كتابة رواية تحتاج وقتًا طويلًا بسبب طبيعتها المعقدة، كما بدأت في مشروع مجموعة قصصية جديدة، إلى جانب مشاريع أخرى قد تنمو تدريجيًا بحسب متطلبات التجربة الإبداعية، فأنا أسعى دائمًا إلى تطوير تجربتي الأدبية في اتجاهات مختلفة.
وفي ختام الحوار، وجهت الشاعرة لامية عويسات شكرها للمؤسسة الإعلامية ولموقع بصراوي، كما خصّت الأستاذ كمال الحجامي بالشكر على أسئلته العميقة التي دفعتها لإعادة التفكير في مسار تجربتها الأدبية.




تعليقات
0