حوارات

حوارات مع المبدعين.. الدكتورة الاديبة /فاطمة مهدي البزال… لبنان

حوارات مع المبدعين.. الدكتورة الاديبة /فاطمة مهدي البزال….. لبنان

كمال الحجامي
تعد المساهمة في الكتابة ونشرها من الاهمية بمكان لانها تكشف النقاب عن كتاب وشعراء وادباء وتبرز الرؤية الجمالية والفنية فيما يكتبونه وما يصدرونه من نتاجات قيمة وعناوين مهمة تترافق مع ذلك الزخم المعرفي المتجلي في ميادين الثقافة والادب وما تحتويه بحوثهم واختصاصاتهم من معلومات يُشركون فيها المتلقي لتكمل العملية الإبداعية بين كاتب ومحتوى ومُتلق . كل ذلك ضمن ترجمة مساعيهم واعمالهم الأدبية التي يصدرونها من مجال النقد والشعر والقصة والرواية وغيرها من النتاجات الادبية .
حواريتنا هذه مع الاديبة الدكتورة /فاطمة البزال من لبنان الجميل ، من بعلبك، مدينة الشمس ، مدينة الاثار التي يتنفس عبقها التاريخ وتشهد لها الحضارات بما تركت من نماذج تحاكي أرقى الفنون وأجملها ،ومن سهولها المترامية التي تحكي قصة الانسان المغروس في هذه الارض العصية والابية على الغزاة .ففي مشوارها الأدبي اصدرت الدكتورة والشاعرة البزال ديوانا شعريا بعنوان (نسيم الروح)،صدر عن دار الثقافة في الشارقة، بالإضافة الى كتاب في مجال النقد بعنوان (ثنائية السجن والحرية في شعر عمر شبلي)، وكذلك لديها مجموعة قصصية في الأدب (المقاوم) جاهزة للطباعة، ولها مقالات منشورة في مجلة العربي الرائدة (العربي الكويتية)وقد شاركت في مسيرتها الثقافية بأكثر من 15مؤتمرا منشورا في كتب وقائع ومجلات متنوعة مثل مجلة المنافذ الثقافية المحكمة ومجلة دار السلام في بغداد ومجلة الميادين الثقافية ، ومجلة تسليم وغيرها .. وتعد الدكتورة البزال عضوا في اتحاد الكتاب اللبنانيين ، وعضوا في الهيئة الادارية لمجلة المنافذ الثقافية ومدققة لغوية فيها ، بالإضافة لعضويتها في الملتقى الثقافي الجامعي ، وهي ناشطة في المجالين الثقافي والاجتماعي. فأهلا بكم في هذه الحوارية الشيقة واللقاء الجميل عبر الاثير.
&& الادب الحديث عنوان عريض ومن ضمن تفرعاته الشعر السياسي . وقد برز الالتزام في الادب نثرا وشعرا كمصطلح في بداية القرن العشرين ، فما هي ابرز العوامل التي أسهمت في بروز هذا المصطلح؟
الالتزام هو ان تلزم الشيء فلا تفارقه ، وان تداوم عليه فلا تتركه . بذلك يصبح الادب وسيلة لا غاية ، فهو اداة لخدمة الفكرة شعرا كان او نثرا ، وبذلك يصبح الالتزام مشاركة الناس في قضاياهم وفي همومهم ايضا . هادفا إلى ربط الادب بالواقع ، بحيث يخرج الاديب من ذاتيه وينزل من برجه العاجي ليواكب هموم وقضايا مجتمعه ،ومن هنا ظهرت انواع جديدة منها ادب التحرر والتحرير والادب الوطني والاجتماعي كانت مواكبة لمرحلة جديدة في حياة الامة . فقد بسط الاستعمار ذراعيه وقسم المنطقة ووضع الحدود بين ابناء الوطن الواحد والامة الواحدة وارفقه بوعد بلفور الذي زرع الكيان الغاصب في درة الدول العربية إلا وهي فلسطين المحتلة . وبذلك وجد الاديب نفسه امام مرحلة جديدة تستلزم شحذ همته وسلّ سيف الكلمة ليكون مواكبا لما يجري من تغيرات ديمغرافية واستراتيجية تطال النسيج الوحدوي والاجتماعي للامة العربية . فمنذ البدء كانت الكلمة ومن المعلوم ان الله تعالى اختار افصح خلقه واقدرهم على الإقناع بالادلة العقلية والمنطقية واحسنهم خلقا لتأدية رسالته لما للكلمة من تاثير بالغ الاهمية في الإقناع . من هنا فالاديب مقاوم بما يمتلك من ادوات معرفية يسخرها لإيصال كلمته المناهضة العدو ، والمعرية جرائمه وهمجيته بصياغة فنية لتجربة بشرية وهذه الكلمة تؤدي دور البندقية . فالشاعر يقاتل بكلمته . وقد برزت ظاهرة الدعوة للالتزام خصوصا بتاثير الواقعية الجديدة في فرنسا سنة 1935. ولكن بذور هذه النزعة موجودة في تراثنا ، فكل شاعر تغنى بوطنه وعزف المواجع على ناي غربته ووقف عند الاطلال مستذكرا كان شاعرا ملتزما . وكل من حمل صليبه فوق ظهره وعاش التشرد في سبيل كلمته كان شاعرا ملتزما ايضا . وكل من حرض على القيم الجميلة وعمل على نشر قيم العدالة المساواة كان شاعرا ملتزما.

& كيف تستطيعين المواءمة بين تفرعات الكتابة من قصة وشعر وابحاث وغيرها من الاهتمامات الثقافية الأخرى؟
لعل الجمع بين الانواع الادبية في البداية يكون مستحيلا ، فلكل نوع ادبي مميزاته وشروطه ، وإتقانه يتطلب إلى جانب الموهبة مراسا وتخصصا. والذي يجيد الشعر وانزياحاته وقضاياه يكون قد قطع شوطا في مسيرته الادبية وهذا ما يجعل باقي الفنون الادبية مطواعة وسهلا قيادها. اضف الى ذلك الرؤيا التي يحملها الاديب من خلال كتاباته فهو لا بد وان يكون رائيا يواكب الحاضر ويستشرف المستقبل ، لتكون كتاباته مستقبلية صالحة لكل زمان ومكان. فإذا لم يتسلح الاديب بهذه الرؤيا في معالجة قضاياه فإن نجمه سيأفل ويخف عن التوهج واللمعان . وكثيرا ما يلعب الإعلام دورا في تلميع وتعويم اسماء لا تستحق على حساب ادباء مبدعين لم يكشف النقاب عن إبداعاتهم كما يجب حتى يومنا هذا . اضف الى ذلك وسائل مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت الباب على مصراعيه امام الجميع فساد الانتحال وزادت السرقات واختلط الحابل بالنابل ، الا انه ما زال هناك من يميز بين الغث والثمين وإن غلبت المجاملات على حساب الابداع .
وقد تؤدي الحالة النفسية دورا في اختيار النوع الادبي . ففي حالة الثورة والفوران اجد نفسي ميالة لكتابة قصيدة اصب فيها جموحي وانفعالاتي ، وقد اصادف موقفا اعبر عنه بقصة فيها عبرة مستفادة ، واحيانا هناك قضايا تتطلب جهدا بحثيا للوقوف على اسباب ونتائج وحلول قضية ما من قضايا المجتمع او الوقوف عند رؤية شاعر ما او رواية تُشرّح الواقع الاجتماعي والسياسي في حقبة ما للوقوف عند المنعطفات الخطيرة التي تؤشر المسارب لمرحلة جديدة .
&&كتبت العديد من المقالات في المجلات ومنها مجلة العربي كيف يتم متابعتها في عموم العالم العربي؟
حاولت في البداية الخروج عن النمط التقليدي في كتابة المقالات . فتناولت مواضيع قد تكون جديدة من حيث طريقة المعالجة معتمدة النمط الاسلوبي في ذلك . ومقالاتي كانت حول القيم الاخلاقية وتجلياتها في الشعر العربي عبر انتخاب جملة من النماذج المتنوعة التي تحث على قيم الشجاعة والكرم والاحترام . وفي مقال حول الصورة الكاريكاتورية عند ابن الرومي بينت القدرة العجيبة عند ابن الرومي في تصوير الحالات التي يراها بحيث يجعلك تتخيل المنظر وكانه ماثل امامك مع مبالغة كبيرة ، اما مقال سطوة الحب بين الواقع والتخييل فقد تناولت فيه مستويات الحب من فقد وغيرة وصولا إلى قتل الحبيبة كما فعل ديك الجن ، وما يخالط هذا الحب من مشاعر وضياع قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك . وفي مقال عن شعرية امل دنقل صاحب قصيدة “لا تصالح” تناولت الصورة الشعرية التي بينت عروبة الشاعر واهتمامه بقضايا امته عبر استدعائه الرموز التاريخية والدينية ، فهذه زرقاء اليمامة الرائية التي رفض قومها تحذيراتها من الخطر القادم وكانت النتيجة استباحتهم عن بكرة أبيهم ، وهؤلاء اخوة يوسف الذين يرمزون الى تخلي العرب عن نصرة فلسطين السليبة. وغيرها من المقالات التي لا يتسع المجال لذكرها الان.

&&يعد الادب المقاوم اليوم جوازا للكثير من الشعراء الملتزمين بقضايا الامة وقضايا الانسانية . وما يجري اليوم في فلسطين من قتل ممنهج يدل على همجية العدو الصهيوني المغتصب . كيف واكبت هذه الاحداث ، ومعلوم ان لبنان على تماس مع الاراضي المحتلة وهو في حرب مستمرة مع هذا الكيان الغاصب؟
فلسطين درة البلاد العربية ومنذ احتلالها اخذت موقعا في وجدان الشعوب الحية بعيدا من المنظومة الحاكمة التي تسعى للتطبيع صباح مساء وبكل وقاحة علنا . وقلما نجد شاعرا ملتزما لم يعرج على القضية الفلسطينية واحتلال الصهاينة لجنوب لبنان لحقبة من الزمن اضف الى ذلك الجولان السوري . فمن الاخطل الصغير الى محمود درويش وسميح القاسم وعمر شبلي إلى الجيل الجديد الذي ورث هذا الهم وراح يعبر عنه . ومقابل جبهة التطبيع هناك جبهة ممانعة تسعى لكشف الزيف وتتطلع للحرية .
ومما قلته لغزة :
لا بدّ غزّةُ، والزمانُ مراحلٌ
من أن يكون لكِ الرِّهانُ الظافرُ
لا تحزني هم في الملاجئ كلهم
والنصرُ فيكِ بكلِّ طفلٍ ظاهرُ
من لم يضمّدْ جرحَه بترابِها
فلسوفَ ينزفُ منهُ جرحٌ آخَرُ


اطلق عنادَك تنتهكْ أحلامَهم
فلكلِّ دربٍ ،إن قضيْتَ ، مَعابرُ
ولكلِّ جرحٍ إن رتقْتَ ضمادَهُ
فاهٌ يَعضُّ القيدَ إذ هو فاغرُ
في الجُبِّ أحلامٌ تطرّزُ لوحةً
للطيرِ يعلو في السّما ويُهاجرُ
وتعيدُ ترتيبَ الأماني والرؤى
وتكرُّ خيطًا في الخَفا وتغادرُ
للّيلِ في قلبِ الأسير حكايةٌ
بفضائها المسلوبِ ضوءٌ ساهرُ
يترقّبُ الفجر المُهرَّب في دمٍ
وعلى شِغافِ القلبِ ينمو الحاضرُ


ومن قصيدة بعنوان جرح وضماد قلت :

لصَهيلِ حزنِكِ يا فلسطينُ انتخَتْ
هذي الجروحُ وأسرِجَتْ للثارِ
وتزاحمتْ قُطُفُ الجنى فيّاضة
وغدا الرّبيعُ مُفتَّحَ الأزرارِ
ما في الرّياضِ وزهرِهِ أرجوزةٌ
أدّتْ صلاةَ الفجرِ للأقمارِ

ومن قصيدة فلسطين:
ولأنّكِ الجرحُ الذي يُطهى على نار الأسى
ولأنّ صمتكِ بات بوحاً مشتهى
ها أنت يا سرّ النَّهى
ها أنتِ وحدكِ تعبرين
حتى وإن ظلّ الردى
بحرَ الظلامة والجهالة والعمى
وعلى النّدى يكسو ترابكِ تسجدين
وترتلين بصوتكِ المبحوح في الأقصى
على قيثارة الوجع المرجّع بالصدى
يُطهى على جمرٍ تفجّر رحمةً
وِرداً وصار مقدّساً
لا ، ليس يُتلى إلا في الصلا .

سيبقى الخط المقاوم قائما طالما هناك احتلال ، واليوم الاحتلال لم يعد للارض فقط ، بل هنا استلاب ثقافي وسعي لتدجين الجيل الشاب عبر التاثير عليه ثقافيا بتغيير هويته عبر قطعه عن التراث الذي يمثل اصله ، وهذا ما تسعى إليه العولمة عبر تحويل العالم إلى فكر احادي تميت فيه خصوصيات الشعوب وما تتميز به ليسهل على القائمين عليها السيطرة فكريا وعقائديا وايديولوجيا على الشعوب المنضوية تحت لوائها . من هنا برزت الحاجة إلى المقاومة الثقافية والتوعية والأخلاقية إلى جانب المقاومة العسكرية .

&&, كيف تتواصلين مع الشعراء والكتاب والروائيين في البلدان العربية والاجنبية ؟
لقد اتاحت التكنولوجيا إمكانية التواصل مع الجميع حيثما وجدوا عبر برامج الفيديو وغيرها . فبات بالإمكان المشاركة في اي ندوة حوارية مهما كانت المسافة بعيدة. وبذلك فتحت المجال واسعا للتعرف على ذوي الاختصاصات المشتركة في البلدان العربية والأجنبية . ولعل لمواقع التواصل الاجتماعي الاثر البالغ في تقريب المسافات واختزال الوقت وتبادل المعارف من ابحاث وكتب والدعوة لمؤتمرات بحثية . فاليوم نستطيع الدخول من مكتبنا إلى ارقى المكتبات والحصول على امهات الكتب في مختلف اللغات وترجمتها بسهولة ويسر. ومن غير المنطقي ان نبقى على الهامش ولا نطور إمكاناتنا لمواكبة التطور التكنولوجي الذي يساعد في تطوير الذات والتلاقح الثقافي مع الشعوب وصولا إلى التاثر والتأثير . فالنهر يستمد استمراريته من الروافد التي تصب فيه فتغذيه وتساعده في الوصول الى اقصى نقطة ممكنة ليصب فيها وغالبا ما تكون بحرا او محيطا او خليجا . وكذلك معلوماتنا تكون محدودة وقد نصاب بالنسيان إن لم نحرك ماءها الراكد ونرفدها بكثير من البحوث والقراءات والتفاعل الثقافي مع الشعوب ونصل إلى الإبداع . من هنا تسطع اسماء وتخلد وتافل اخرى وتذوي بسرعة . فربّ موقف او كلمة خلدت صاحبها على مدار التاريخ . وربّ كلمة اطفأت نارا وعصمت امة .
&&ماهو نتاجك الحديث في مجال تخصصك الادبي رغم مواكبة دراساتك وبحوثك المتواصلة.
اسعى الان لوضع اللمسات الاخيرة لمجموعة قصصية واتمنى ان تبصر النور وسط هذه الاجواء المتوترة ، وان نكون مساهمين وفاعلين في الوقوف بوجه الحملات التي تسعى للتاثير على شبابنا تحت حجة التطور والانفتاح ، لان دعواتهم ليس بريئة وهذا ما نلاحظه من خلال القضاء على القيم الاخلاقية ومحاربة الفطرة الإنسانية السليمة وبث السموم والسعي لحرف الشباب عن تقاليد مجتمعاتهم وحملهم على التشكيك بعقائدهم وموروثاتهم ليصابوا بالخواء الفكري والنفسي .
ومن باب من تساوى يوماه فهو مغبون فإنني اسعى بكل جهدي إلى وضع ولو حجر صغير في مدماك معارفي يوميا . ولدي برنامج ادون فيه العناوين التي انوي إنجازها خلال حقبة زمنية محددة إن شاء الله .
كل الامتنان والتقدير لكم واخيرا كلمة للدكتورة الكاتبة والشاعرة القديرة (فاطمة البزال).
اشكركم جزيل الشكر لاتاحتكم الفرصة لي بالتعريف بانجازي الادبي في هذه الحوارية الماتعة متمنية لكم التوفيق والسداد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى