
موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر
تشير البيانات الحديثة حول أنماط التجارة العالمية إلى أن أكبر اقتصادات العالم لا تنحاز بالكامل إلى الولايات المتحدة أو الصين، بل تعتمد على كلا الطرفين في آن واحد. حيث تستمر هذه الدول في تصدير منتجاتها إلى السوق الأميركية، بينما تستورد كميات كبيرة من احتياجاتها الصناعية من الصين، مما يعكس استمرار تشابك الاقتصاد العالمي رغم التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.
وبحسب تقرير نشرته منصة Visual Capitalist استناداً إلى بيانات Trade Map، فإن معظم الاقتصادات الأربعين الكبرى في العالم تحقق فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة، بينما تعاني من عجز تجاري مع الصين. هذا التباين يعكس الأدوار المختلفة التي تلعبها كل من الولايات المتحدة والصين ضمن نظام التجارة الدولي.
تعتبر الولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكية للسلع النهائية، بينما تواصل الصين تعزيز مكانتها كمركز عالمي رئيسي للتصنيع وسلاسل الإمداد. وهذا يعني أن العديد من الدول تعتمد على تصدير منتجاتها إلى المستهلك الأميركي، في حين تستورد المواد الخام والمكونات الصناعية من الصين، مما يجعل واشنطن وبكين غير متنافستين بشكل مباشر في جميع مراحل الإنتاج.
ومع ذلك، برزت تايوان وأيرلندا كحالات استثنائية بين هذه الاقتصادات الكبرى، حيث تحقق كلاهما فائضاً تجارياً مع كل من الولايات المتحدة والصين. يعود ذلك إلى صادراتهما ذات القيمة العالية، حيث تعتمد تايوان على صناعة أشباه الموصلات، بينما تستفيد أيرلندا من صادرات الصناعات الدوائية والتكنولوجية.
وتظهر البيانات أن فيتنام حققت أكبر فائض تجاري مع الولايات المتحدة مقارنة بحجم اقتصادها، مما يعكس دورها المتزايد في سلاسل التوريد العالمية. هذا التوجه يأتي في سياق استراتيجية العديد من الشركات العالمية لتنويع قواعد الإنتاج وتقليل الاعتماد على الصين.
رغم أن بعض الشركات العالمية تسعى لتنويع مواقع التصنيع من خلال استراتيجية “الصين زائد واحد”، تظل الصين محتفظة بموقعها المركزي في شبكات التجارة العالمية. تحقق بكين فائضاً تجارياً مع معظم الاقتصادات الكبرى، مستفيدة من صادراتها الضخمة التي تشمل الإلكترونيات والآلات والمعدات الصناعية والسلع الاستهلاكية.
على الجانب الآخر، تستمر الولايات المتحدة في تسجيل عجز تجاري مع عدد كبير من الاقتصادات الكبرى، نتيجة استيرادها كميات هائلة من السلع المصنعة والإلكترونيات والمركبات. هذا العجز يعد من أبرز الملفات الخلافية في السياسة الأميركية، ويشكل أساساً للنزاعات التجارية مع الصين، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالرسوم الجمركية والدعم الصناعي وحقوق الملكية الفكرية.
رغم تصاعد القيود التجارية والرسوم الجمركية، تشير البيانات إلى أن الاقتصاد العالمي لم ينقسم إلى كتلتين منفصلتين كما كان متوقعاً. معظم الدول لا تزال تعتمد على المستهلك الأميركي لتصريف صادراتها، وعلى المصانع الصينية لتأمين احتياجاتها الصناعية، مما يعزز الترابط بين أكبر اقتصادين في العالم.
في الختام، يظهر التقرير أن التجارة العالمية لم تنفصل، بل أعادت التكيف مع المتغيرات الجديدة. تسعى الحكومات لتعزيز أمن سلاسل الإمداد وتنويع مصادرها، ولكنها لم تتمكن بعد من فك الارتباط العميق بين الاقتصادين الأميركي والصيني، اللذين لا يزالان يشكلان العمود الفقري للتجارة الدولية.





