في ضيافة بصراوي.. الدكتورة بوخاري خيرة سلسيل: الأدب رسالة إنسانية والذكاء الاصطناعي لا يعوّض الناقد الحقيقي

حاورها: الصحفي كمال الحجامي
تفتح الدكتورة بوخاري خيرة سلسيل، الناقدة الأدبية والكاتبة والباحثة في حقوق المؤلف، في هذا الحوار مع بصراوي نوافذ متعددة على قضايا الأدب والنقد وتعليم اللغة العربية والكتابة للطفل والسيرة الذاتية والترجمة الأدبية، متوقفة عند التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في المشهد الثقافي، وحدود قدرته أمام التجربة الإنسانية والإبداع الأدبي.
وفي «في ضيافة بصراوي»، يحاورها الصحفي كمال الحجامي حول تجربتها ورؤيتها للغة والنقد والخيال، ومستقبل الكلمة في زمن أصبحت فيه التقنيات الرقمية جزءًا متزايدًا من عملية الكتابة والقراءة والبحث.
كيف تتشكل لديكم لغة النص القصصي، وكيف تسهم العناصر التصويرية في خلق استعارات زمنية داخل النص؟
أؤمن بأن اللغة ليست مجرد وعاء يحمل الأفكار، بل هي الفكرة نفسها في لحظة تجليها. لذلك لا أكتب الجملة إلا بعد أن أستمع إلى إيقاعها الداخلي، لأن النص الأدبي، في رؤيتي، ليس مجرد تتابع للأحداث، وإنما بناء جمالي تتكامل فيه الصورة والرمز والإيقاع والزمن.
والزمن في قصصي ليس زمن الساعة والتقويم، بل زمن الوعي والذاكرة والوجدان؛ فقد تختصر جملة واحدة سنوات طويلة، فيما قد يمتد مشهد قصير ليحمل عمرًا كاملًا من الألم أو الأمل.
وما طرحه الناقد الفرنسي جيرار جينيت بشأن العلاقة بين «زمن الحكاية» و«زمن السرد» يوضح أن الكاتب لا ينقل الزمن كما وقع، وإنما يعيد تشكيله فنيًا. وهذا ما أحاول تحقيقه في أعمالي، بحيث تصبح الاستعارة أداة لإعادة بناء الزمن، لا مجرد صورة بلاغية.
ماذا يمثل لكم النقد الأدبي في عصر الذكاء الاصطناعي والعالم السيبراني؟
أرى أن النقد الأدبي سيبقى، في جوهره، فعلًا إنسانيًا، لأنه يقوم على التأويل والحس الجمالي والقدرة على قراءة التجربة الإنسانية، وهي جوانب تتجاوز المعالجة التقنية للنصوص.
يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل البنية والأسلوب والمفردات والإحصاءات اللغوية، وأن يكون أداة مساعدة مهمة للباحث والناقد، لكنه لا يعيش التجربة الشعورية التي وُلد منها النص.
وأستحضر هنا مقولة رولان بارت: «النص نسيج من الاقتباسات». وهذا النسيج لا يُقرأ بالأدوات التقنية وحدها، بل يحتاج إلى قارئ يمتلك الثقافة والخبرة والذائقة والقدرة على التأويل.
لذلك أرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعدًا مهمًا في العمل النقدي، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الناقد الحقيقي ودوره الإنساني والجمالي.
هل يمثل العمل النقدي قيمة حقيقية، أم قد يتحول إلى حياد بارد يفرغ النص من بعده الوجودي؟
النقد الحقيقي ليس محكمة تصدر الأحكام على النصوص، بل هو حوار معرفي وجمالي معها. والناقد المبدع لا يكتفي بالبحث عن مواطن الضعف، وإنما يسعى إلى الكشف عن طبقات المعنى والدلالات التي قد لا ينتبه إليها الكاتب نفسه أثناء الكتابة.
وأؤمن بأن النقد، عندما يقوم على المعرفة والموضوعية والأدوات العلمية، يستطيع أن يمنح النص حياة جديدة ويتيح للقارئ رؤيته من زوايا مختلفة.
أما حين يتحول النقد إلى مجموعة من الأحكام الجاهزة أو التصنيفات المسبقة، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من رسالته.
تدريس اللغة العربية في سويسرا ليس بالأمر السهل، فكيف توصلين اللغة إلى المتعلمين؟
تعليم العربية خارج الوطن لا يعني تعليم لغة فحسب، بل يرتبط أيضًا بالهوية والانتماء والثقافة. فالطفل في المهجر يعيش وسط لغات متعددة، ولا يمكن أن نجعله متعلقًا بلغته العربية عن طريق التلقين والحفظ وحدهما.
لذلك أعتمد على القصة والمسرح والحكواتي والألعاب اللغوية والتعلم من خلال المواقف، مع ربط اللغة بالقيم والثقافة والحياة اليومية.
فاللغة العربية ليست مجموعة من القواعد المعزولة، بل فضاء ثقافي وحضاري متكامل.
وأستحضر دائمًا قول ابن خلدون إن «اللغة ملكة في اللسان»، لأن هذه الملكة لا تُكتسب بالحفظ وحده، وإنما بالممارسة المستمرة والاستعمال والتذوق.
في الكتابة للأطفال، هل تنطلقين من الواقع أم من الخيال؟
الطفل يحتاج إلى الحقيقة بقدر حاجته إلى الحلم، ولذلك لا أفصل بين الواقع والخيال، بل أحاول أن أجعل الخيال نافذة يرى الطفل من خلالها واقعه بصورة أكثر رحابة وجمالًا.
قصصي تنطلق غالبًا من مواقف حياتية، ثم أمنحها بعدًا تخييليًا يجعل الطفل شريكًا في التفكير والتساؤل، لا مجرد متلقٍ للموعظة أو الرسالة المباشرة.
والكتابة للطفل، في رأيي، من أصعب أنواع الكتابة؛ لأنها تخاطب عقلًا في طور التشكل، لكنه يمتلك في الوقت نفسه حساسية كبيرة تجاه الصدق والجمال.
وكما قال غاستون باشلار: «الخيال قوة تُبدع الواقع ولا تهرب منه».
لماذا نكتب السيرة الذاتية؟ وهل ما زالت تحتفظ بقيمتها في عصر الذكاء الاصطناعي؟
السيرة الذاتية ليست مجرد تسجيل متتابع للأحداث والمناصب، بل هي قراءة للذات في علاقتها بالزمن والمجتمع والتجربة الإنسانية، وهي كذلك وثيقة ثقافية تحفظ تفاصيل التجربة الشخصية وتنقلها إلى الأجيال القادمة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت السيرة الذاتية، في رأيي، أكثر أهمية؛ لأنها توثق الجانب الإنساني الذي لا تستطيع الخوارزميات أن تعيشه أو تصنعه.
فالآلة تستطيع جمع المعلومات وترتيبها وتحليلها، لكنها لا تعرف معنى أن يختبر الإنسان الألم أو الفرح أو الفقد أو الإصرار.
ولهذا أرى أن السيرة الحقيقية هي التي تحكي رحلة الإنسان في بناء ذاته ومواجهة الحياة، لا التي تكتفي بتعداد المناصب والإنجازات.
ما رأيكم في مقولة أليساندرو باريكو: «الأحداث بلا حكاية لا وجود لها»؟
أتفق مع هذا الرأي إلى حد بعيد، لأن الحدث قد يقع مرة واحدة، لكن الحكاية تمنحه قدرة على البقاء والتجدد.
فالتاريخ يسجل الوقائع، بينما يمنح الأدب تلك الوقائع روحًا وذاكرة ومعنى إنسانيًا.
ولهذا بقيت كثير من الملاحم والحكايات الإنسانية حية على امتداد القرون، ليس بسبب ضخامة أحداثها وحدها، بل لأنها رويت بطريقة جعلت الإنسان في كل عصر قادرًا على أن يرى نفسه فيها.
فالأدب لا يخلّد الحدث وحده، بل يخلّد المعنى الإنساني الكامن فيه.
كيف تنظرين إلى ترجمة النص الأدبي إلى لغات أخرى؟
الترجمة الأدبية ليست عملية نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي إعادة خلق للنص داخل ثقافة جديدة.
والمترجم الأدبي الحقيقي يصبح، إلى حد ما، شريكًا للمؤلف، لأنه مطالب بنقل روح النص وإيقاعه وصوره ومرجعياته الثقافية، وليس معاني كلماته المباشرة فقط.
ولهذا فإن نجاح الترجمة يُقاس بقدرتها على الحفاظ على جمالية النص وروحه، مع مراعاة خصوصية اللغة والثقافة التي ينتقل إليها.
ويعبّر أمبرتو إيكو عن صعوبة هذه المهمة في عبارته «أن نقول الشيء نفسه تقريبًا»، فكلمة «تقريبًا» تختصر جوهر الترجمة الأدبية؛ إذ إن التطابق الكامل بين لغتين يكاد يكون مستحيلًا، لكن الأمانة الإبداعية وإعادة إنتاج روح النص تظلان ممكنتين.
كلمة أخيرة
أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى الأستاذ كمال الحجامي على هذا الحوار، الذي أتاح لي فرصة التأمل في عدد من القضايا المرتبطة بالأدب والنقد والتعليم واللغة والتحولات الثقافية المعاصرة.
وأؤمن بأن الكلمة الصادقة ستظل قادرة على البقاء مهما تغيرت الوسائل والتقنيات، لأن الأدب، في جوهره، رسالة إنسانية تنير العقل، وتهذب الوجدان، وتحفظ التجربة البشرية، وتبني الجسور بين الثقافات والشعوب.








