في ضيافة بصراوي.. الروائي المصري فوزي سعيد: الأدب الحقيقي لا يقدم إجابات جاهزة بل يفتح أبواب التساؤل

حاوره: الصحفي كمال الحجامي
من مدينة الإسكندرية، حيث تتداخل حكايات البحر مع ذاكرة الشوارع القديمة، بدأت رحلة الكاتب والروائي المصري فوزي سعيد مع الأدب؛ رحلة لم تبدأ بحلم مبكر بأن يصبح كاتبًا، وإنما جاءت عبر مصادفة قادته من شغف القراءة إلى عالم الكتابة والسرد.
لم تكن الكتابة في بداياته أكثر من خواطر متناثرة يدونها بين حين وآخر، ولم يكن الأدب آنذاك يحتل مساحة كبيرة من اهتماماته. لكن اكتشاف عالم الكتب غيّر مسار تلك العلاقة، وفتح أمامه أفقًا جديدًا، ولا سيما عندما تعرّف إلى أعمال الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، الذي مثّل بالنسبة إليه نقطة تحول مهمة في النظر إلى الأدب والنفس البشرية.
ومع اتساع دائرة قراءاته، اقترب من تجارب عدد من أبرز الأسماء في الأدب والفكر العالمي، من بينهم فرانز كافكا وألبير كامو وأنطون تشيخوف وفريدريك نيتشه، فوجد في أعمالهم أسئلة الإنسان الكبرى، وصراعاته النفسية، وقلقه الوجودي، وهي موضوعات انعكست لاحقًا على توجهه الأدبي واختياراته السردية.
ورغم ابتعاده عن الكتابة مدة من الزمن، ظل الشغف بالأدب حاضرًا، قبل أن يعود مجددًا إلى الحروف والسرد، مؤمنًا بأن الكتابة ليست مجرد صناعة للحكايات، بل محاولة للنفاذ إلى أعماق الإنسان وفهم تناقضاته وأسراره ومخاوفه.
شهد عام 2025 إحدى أبرز محطات تجربته، عندما شارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب برواية «أسود سادة» الصادرة عن دار ميثاق للنشر والتوزيع، وهي رواية تتجه إلى الأدب النفسي وتتناول مرض الفصام «الشيزوفرينيا» وتأثيراته الإنسانية والاجتماعية، في محاولة للاقتراب من عالم الاضطرابات النفسية بعيدًا عن الصور النمطية الشائعة.
كما نشر روايته الإلكترونية «خيوط متشابكة» عبر موقع «كتوباتي»، مواصلًا فيها استكشاف العلاقات الإنسانية وتشابكاتها النفسية والاجتماعية.
وفي معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، عاد فوزي سعيد بعملين جديدين هما «إلينورا» و«منزل رقم 11»، مستمرًا في مشروعه القائم على الأدب النفسي والإنساني.
وتحمل رواية «إلينورا» طابعًا نفسيًا ووجوديًا، وتتناول موضوعات الوحدة والحب والتعلق الإنساني وهشاشة المشاعر، فيما تتمحور إحدى أفكارها حول العبارة: «التعلق سم قاتل».
أما «منزل رقم 11» فتنتقل بالقارئ إلى عالم الرعب النفسي، حيث تتقاطع المخاوف مع الأسئلة الوجودية، وتضعه أمام احتمالات مقلقة تتصل بالموت والعودة منه ومواجهة المجهول.
ولم تقتصر تجربة فوزي سعيد على النشر الأدبي، بل امتدت إلى الظهور الإعلامي عبر مشاركته في برنامج «شباب لايف» على القناة الخامسة، حيث تحدث عن تجربته في الكتابة، ورؤيته للأدب، ودور القراءة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
ويشير سعيد إلى تأثره بتجربة الأديب والطبيب المصري الراحل أحمد خالد توفيق، الذي يمثل بالنسبة إليه نموذجًا للكاتب القادر على الوصول إلى جمهور واسع بلغة تبدو بسيطة، فيما تحمل في داخلها أفكارًا وأسئلة عميقة.
اليوم، يواصل فوزي سعيد رحلته بين الرواية والنفس البشرية والرعب النفسي والأسئلة الوجودية، باحثًا عن المعنى والأثر الذي يمكن للنص أن يتركه لدى القارئ بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.
وفي «في ضيافة بصراوي»، يحاوره الصحفي كمال الحجامي حول الحداثة والتراث، والنقد، وعلاقة الكاتب بالسارد، والصورة الأدبية، وما يشغله حاليًا في مختبره السردي.
إحياء التراث والحضارة وخلق الجمال من المألوف يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الحداثة.. كيف تنظر إلى هذه العلاقة في عالم الأدب والثقافة؟
أرى أن الحداثة ليست حربًا على التراث كما قد يعتقد البعض، ولا تعني بالضرورة القطيعة مع الماضي، بل يمكن أن تكون طريقة جديدة للنظر إليه وإعادة اكتشافه.
فالكاتب لا يحتاج إلى هدم ما سبقه لكي يكون حديثًا، وإنما يستطيع أن يعود إلى فكرة قديمة أو حكاية متوارثة أو عنصر من عناصر التراث، ثم يمنحه رؤية وروحًا جديدتين تتناسبان مع الإنسان المعاصر.
الجمال لا يولد دائمًا من الفراغ، بل من قدرة المبدع على اكتشاف ما لم يره الآخرون في الأشياء المألوفة. ومن هنا أرى أن الحداثة يمكن أن تكون امتدادًا للحضارة وتجديدًا لها، لا قطيعة معها.
الحداثة ورؤيتها تختلفان من كاتب إلى آخر، فما الذي يكشفه هذا التباين في قراءة الأحداث وتفسيرها؟
هذا الاختلاف يمثل، في رأيي، أحد أهم مظاهر حيوية الأدب.
قد يمر الحدث نفسه أمام عشرات الكتّاب، لكن كل كاتب سيراه من خلال تجربته وثقافته ووعيه وحساسيته الخاصة، ولذلك من الطبيعي ألا نحصل على قراءة واحدة أو تفسير نهائي لأي قضية إنسانية.
الأدب في جوهره تعدد في الأصوات والرؤى. وكلما اختلفت زوايا النظر، اتسعت مساحة الفهم وأصبح المشهد الأدبي أكثر ثراءً.
كيف تنظر إلى أهمية النقد ووظيفته بالنسبة إلى العملية الإبداعية والقارئ؟
النقد الجاد شريك في العملية الإبداعية، وليس خصمًا لها.
فالكاتب ينجز النص، بينما يستطيع الناقد أن يكشف طبقاته ويضيء جوانب قد لا ينتبه إليها القارئ، وربما يساعد الكاتب نفسه على رؤية تجربته من زاوية مختلفة.
كما يمنح النقد الكاتب فرصة لمراجعة أدواته وتطوير مشروعه وتجربته الأدبية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى أحكام مسبقة أو مجاملات شخصية؛ ففي هذه الحالة يفقد وظيفته الحقيقية وقيمته المعرفية والجمالية.
هل يمتلك القارئ الحرية الكاملة في فهم النص وتأويله؟
القارئ يمتلك مساحة واسعة من الحرية في قراءة النص وتأويله، لكنها ليست حرية منفصلة تمامًا عن النص نفسه.
فكل عمل أدبي يحتوي إشارات ودلالات ومسارات توجه عملية القراءة، لكن كل قارئ يدخل إليه محمّلًا بتجاربه الشخصية ومعرفته وذاكرته ومشاعره.
ولهذا قد يقرأ شخصان النص نفسه ويخرجان بانطباعين مختلفين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما أخطأ.
وهذه إحدى أهم خصائص الأدب؛ أنه يسمح بوجود أكثر من باب للفهم والتأويل، مع احتفاظ النص بهويته الأساسية.
كثيرًا ما يحدث خلط بين الكاتب والسارد في الرواية.. كيف تفسر الفرق بينهما؟
من الأخطاء الشائعة اعتبار السارد صورة مباشرة عن الكاتب.
الكاتب هو الشخص الحقيقي الذي أنشأ العمل الأدبي، أما السارد فهو صوت فني موجود داخل النص، وقد يكون قريبًا من الكاتب في بعض الجوانب، وقد يكون مختلفًا عنه تمامًا.
لذلك لا يمكن اعتبار كل ما يقوله السارد تعبيرًا عن رأي الكاتب الشخصي أو حياته أو مواقفه.
السارد أداة فنية يمنح من خلالها الكاتب العملَ زاوية محددة للرؤية، ويتيح له أيضًا الدخول إلى عوالم وشخصيات وأفكار مختلفة ربما لا تشبهه في الواقع.
الصورة الأدبية تمثل أحد الفروق المهمة بين اللغة العادية واللغة الإبداعية.. وهل ترى أن الاستعارة قد تكون أكثر قوة من التشبيه؟
الصورة الأدبية هي من أكثر العناصر قدرة على نقل اللغة من مستوى الإخبار المباشر إلى مستوى الإحساس والتخيل.
أما الاستعارة، فأراها في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا لأنها لا تكتفي بالقول إن شيئًا ما يشبه شيئًا آخر، وإنما تمنحه هوية أو صورة جديدة داخل النص.
وهذا يجعل أثرها أعمق، لأنها لا تقدم المعنى جاهزًا، بل تدفع القارئ إلى المشاركة في اكتشافه وتأويله.
وهنا تكمن قوة الصورة الأدبية؛ فهي توسع مساحة الخيال، وتجعل اللغة تجربة شعورية لا مجرد وسيلة لنقل المعلومات.
ماذا يوجد حاليًا في مختبر فوزي سعيد السردي؟ وما الموضوعات التي تشغلك في أعمالك المقبلة؟
ما يشغلني بصورة أساسية هو الإنسان، ولا سيما الإنسان في لحظات ضعفه ووحدته وأسئلته الكبرى.
كتبت وأكتب عن الفقد والعزلة والذاكرة والبحث عن المعنى، لأنها موضوعات لا ترتبط بزمان أو مكان محددين، وإنما تمس التجربة الإنسانية في جوهرها.
كما يستهويني الجانب النفسي للشخصيات وما يحدث في داخل الإنسان من صراعات وأحلام ومخاوف وهواجس.
بالنسبة إليّ، الرواية ليست مجرد سلسلة من الأحداث أو حكاية تُروى، وإنما محاولة لفهم النفس البشرية والاقتراب من المناطق التي قد نعجز أحيانًا عن التعبير عنها في حياتنا اليومية.
وأخيرًا.. ماذا تقول لقراء «بصراوي»؟
أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى بصراوي والقائمين عليها، وإلى كل قارئ يمنح جزءًا من وقته للأدب والكتاب.
وأؤمن أن الكتابة، في النهاية، ليست سوى محاولة صادقة لترك أثر في قلب إنسان ربما لا نعرفه ولن نلتقيه يومًا.
وطالما بقي هناك قارئ يبحث عن كلمة صادقة، ستظل الكتابة قادرة على الحياة.




