صادق العلي.. حين يكون نقيب الصحفيين واحداً منهم

بقلم: محمد حسين العبوسي
ليس أصعب على من يتولى مسؤولية نقابية من أن يقود مجتمعاً مهنياً يقوم في جوهره على السؤال والنقد والاختلاف.
فالصحفي بطبيعته لا يمنح ثقته بسهولة، ولا تكفيه المناصب ولا العناوين ولا الكلمات المنمقة. إنه يراقب الأداء، ويقيس المواقف، ويتذكر جيداً من كان إلى جانبه عندما احتاج إلى من يقف معه.
ومن هنا، فإن الحديث عن الأستاذ صادق العلي لا ينبغي أن يبدأ من منصبه في نقابة الصحفيين العراقيين في البصرة، وإنما من علاقته بالصحفيين أنفسهم.
لأن قيمة أي نقيب لا تكمن في المكتب الذي يجلس فيه، بل في عدد الصحفيين الذين يشعرون أن باب ذلك المكتب مفتوح لهم.
وهذا، في تقديري، أحد أهم ما استطاع صادق العلي أن يصنعه خلال سنوات عمله النقابي.
النقابة ليست بناية
ربما يكون من السهل إنشاء مقر جميل، ورفع لافتة كبيرة على واجهته، وإقامة المناسبات والاحتفالات داخله.
لكن الأصعب كثيراً أن يتحول ذلك المقر إلى بيت حقيقي للصحفيين.
بيت يدخل إليه الصحفي وهو يشعر أنه في مكان يخصه، لا أمام مؤسسة بيروقراطية بعيدة عنه.
وقد شهد فرع نقابة الصحفيين العراقيين في البصرة خلال السنوات الماضية تحولاً واضحاً؛ سواء من حيث تطوير المقر وتأهيله أو من حيث الأنشطة واللقاءات والدورات والفعاليات التي بات يحتضنها.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لم تكن في الجدران والأثاث.
كانت في أن النقابة أصبحت أكثر حضوراً في الحياة اليومية للصحفي البصري.
فالمؤسسات لا تصنعها المباني، وإنما تصنعها الثقة.
أن تكون قريباً من الصحفي
المسؤول النقابي يمكنه أن يكتفي بإدارة الكتب الرسمية والمخاطبات والمعاملات.
ويمكنه أيضاً أن يختار الطريق الأصعب: أن يبقى قريباً من الناس الذين يمثلهم.
وصادق العلي اختار، في كثير من المحطات، الطريق الثاني.
بقي حاضراً في أفراح الأسرة الصحفية وأحزانها، قريباً من الصحفيين القدامى ومن الجيل الجديد، مستمعاً إلى مشكلاتهم، ومشاركاً في مناسباتهم، ومتابعاً لقضاياهم.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة لمن ينظر إلى العمل النقابي من الخارج، لكنها بالنسبة للصحفيين ليست صغيرة أبداً.
فالصحفي الذي يعمل كل يوم وسط ضغوط المهنة، ويواجه المؤسسات والمسؤولين والشارع والمعلومة والخبر، يحتاج إلى أن يشعر أن هناك مؤسسة تقف خلفه.
وحين تتحول النقابة إلى هذا النوع من الظهير المهني، فإنها تستعيد معناها الحقيقي.
النقيب يُختبر عند الأزمة
في الظروف الهادئة يستطيع الجميع أن يتحدثوا عن حرية الصحافة.
لكن قيمة النقابة تظهر عندما يتعرض صحفي إلى تضييق، أو يُمنع إعلامي من أداء عمله، أو تقع مشكلة بين صحفي وإحدى المؤسسات.
هنا يصبح الموقف أكثر أهمية من الخطاب.
وقد شهدت البصرة خلال السنوات الماضية الكثير من التحديات المرتبطة بالعمل الصحفي وحرية الوصول إلى المعلومة وطبيعة العلاقة مع المؤسسات الرسمية والأمنية.
وفي هذه الملفات كان فرع نقابة الصحفيين مطالباً دائماً بأن يسلك طريقاً دقيقاً:
أن يدافع عن الصحفي، دون أن يحول العلاقة مع مؤسسات الدولة إلى صراع دائم.
وأن يبني جسوراً مع المسؤولين، دون أن تكون هذه الجسور على حساب استقلال الصحافة وكرامتها.
إنها معادلة صعبة.
ويحسب لصادق العلي أنه عمل على بناء علاقات واسعة مع القضاء والحكومة المحلية والمؤسسات الأمنية والمدنية، مع إبقاء ملف حماية الصحفي وحرية العمل الإعلامي حاضراً في هذه العلاقات.
فالصحافة القوية لا تحتاج إلى خصومات مجانية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تعمل وهي فاقدة لمساحتها وحريتها.
القوة ليست في رفع الصوت دائماً
هناك تصور شائع بأن المسؤول النقابي القوي هو الأكثر صداماً والأعلى صوتاً.
لكن التجربة تقول إن القوة الحقيقية كثيراً ما تكون في القدرة على حل المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة.
في الهاتف الذي يُجرى عندما يحتاج الصحفي إلى مساعدة.
في الباب الذي يُفتح أمامه.
في سوء تفاهم يُعالج قبل أن يتفاقم.
وفي مسؤول يتم التواصل معه من أجل حماية حق صحفي في ممارسة عمله.
هذه التفاصيل نادراً ما تصل إلى وسائل الإعلام.
وغالباً لا يعرفها إلا أصحابها.
لكنها تحديداً هي التي تصنع قيمة المسؤول النقابي في ذاكرة زملائه.
الصحفي الشاب قبل صاحب الاسم الكبير
من العلامات المهمة في أي مؤسسة مهنية طريقة تعاملها مع الجيل الجديد.
فالصحافة لا تعيش بأسماء الماضي فقط.
وفي زمن دخل فيه إلى الإعلام جيل مختلف تماماً، يعمل بالهاتف والمنصة الرقمية والفيديو القصير وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت النقابة أمام مسؤولية جديدة.
لم يعد كافياً أن تمنح الصحفي هوية أو كتاب تأييد.
بل يجب أن تمنحه المعرفة.
ولهذا كانت الدورات والورش والأنشطة التدريبية التي احتضنها فرع النقابة خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
فالصحفي الشاب عندما يدخل للمرة الأولى إلى مقر النقابة يجب ألا يشعر أنه أمام مؤسسة لكبار الصحفيين فقط.
يجب أن يشعر أن مستقبله المهني يبدأ من هنا أيضاً.
صادق العلي والاختلاف
لن يتفق جميع الصحفيين على شخص واحد.
ولا ينبغي لهم أن يتفقوا.
الصحافة، أصلاً، مهنة الاختلاف.
ولهذا فإن تقييم أي شخصية نقابية لا ينبغي أن يقوم على البحث عن إجماع مستحيل، بل على سؤال أكثر عدلاً:
هل كان قريباً من الصحفيين؟ هل فتح أبواب النقابة لهم؟ هل دافع عن المهنة عندما احتاجت إليه؟ هل ترك المؤسسة أفضل مما وجدها؟
هذه هي الأسئلة التي تبقى بعد انتهاء المناصب.
أما المديح، فيذهب مع المناسبة التي قيل فيها.
البصرة تستحق نقابة بحجم صحافتها
البصرة ليست محافظة هامشية في تاريخ الصحافة العراقية.
إنها مدينة صنعت صحفاً وصحفيين وكتّاباً ومثقفين، وكانت دائماً واحدة من أهم البيئات الثقافية والإعلامية في العراق.
ولهذا فإن نقابة الصحفيين فيها يجب أن تكون بحجم هذه المدينة.
لا مجرد فرع إداري يتلقى المعاملات، بل مؤسسة حقيقية للتدريب والدفاع عن الصحفيين وتوثيق تاريخ الصحافة البصرية ورعاية أجيالها الجديدة.
وأعتقد أن المرحلة التي قادها صادق العلي وضعت أساساً يمكن البناء عليه للوصول إلى هذا النموذج.
لكن المسؤولية المقبلة ستكون أكبر.
فالصحافة التي نعرفها تتغير أمام أعيننا.
الذكاء الاصطناعي يغير غرف الأخبار.
والمنصات الرقمية تغير طريقة وصول الجمهور إلى المعلومة.
والإشاعة أصبحت أسرع من الخبر.
وأي نقابة تريد أن تبقى مؤثرة خلال السنوات المقبلة يجب أن تنتقل من حماية الصحفي التقليدي فقط إلى صناعة صحفي المستقبل.
وهذا تحدٍّ يستحق أن يكون المشروع القادم لنقابة الصحفيين في البصرة.
ما يبقى من المناصب
كل المناصب مؤقتة.
ويبقى بعد المسؤول شيء واحد:
ما الذي تغير أثناء وجوده؟
هناك مسؤولون يغادرون مناصبهم فلا يكاد أحد يتذكر أنهم كانوا فيها.
وهناك آخرون يرتبط اسمهم بمرحلة.
وفي تجربتي ومعرفتي بالوسط الصحفي البصري، أرى أن صادق العلي أصبح واحداً من الأسماء المرتبطة بمرحلة واضحة من تاريخ نقابة الصحفيين في البصرة.
مرحلة أصبح فيها للفرع حضور أكبر.
ومقر أكثر حياة.
وعلاقات مؤسساتية أوسع.
وتواصل أقرب مع الصحفيين.
ومساحة أكبر للأنشطة والتدريب.
ولا يعني ذلك أن كل شيء مكتمل، ولا أن التجربة بلا أخطاء؛ فلا توجد تجربة بشرية كذلك.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الرجل عمل، وتحرك، وترك أثراً يمكن رؤيته.
وقد يكون أجمل ما حققه صادق العلي أنه، رغم مرور السنوات على وجوده في موقع المسؤولية، لم يتحول في نظر كثيرين إلى مسؤول عن الصحفيين بقدر ما بقي واحداً من الصحفيين.
وتلك، في العمل النقابي، ليست مسألة بسيطة.
لأن النقيب الحقيقي لا يكون أمام زملائه.
ولا فوقهم.
بل بينهم.
وحين يشعر الصحفي أن نقيبه واحدٌ منهم، تكون النقابة قد قطعت نصف الطريق نحو النجاح.


