قراءة في ديوان «فيزياء مضادة» لخزعل الماجدي: الأسطورة والجسد وأسئلة الوجود

محمد عبد الكريم يوسف
يمثل ديوان «فيزياء مضادة» لخزعل الماجدي تجربة لافتة في قصيدة النثر العراقية، إذ يجمع بين الحس الشعري والأسطورة السومرية والتأمل الفلسفي في الجسد والموت والوجود والإنسان. وفي مئة قصيدة نثر قصيرة ومكثفة، يبني الماجدي عالمًا شعريًا تتداخل فيه الميثولوجيا مع اليومي، والجمال مع الفناء، والروح مع المادة، في محاولة للبحث عن «فيزياء» أخرى للعالم، لا تقيس الأشياء بقوانين المادة وحدها، بل بقلق الإنسان وخياله وذاكرته.
محتويات القراءة
- خزعل الماجدي وعالم «فيزياء مضادة»
- ماذا يعني عنوان «فيزياء مضادة»؟
- الأفكار المركزية في الديوان
- القيم والمعارف في «فيزياء مضادة»
- قراءة في أبرز قصائد الديوان
- أكثر قصائد «فيزياء مضادة» جرأة
- السمات الفنية والأسلوبية
- مختارات شعرية من الديوان
- خلاصة القراءة
- المراجع والدراسات
خزعل الماجدي وعالم «فيزياء مضادة»
خزعل الماجدي شاعر وكاتب مسرحي وباحث عراقي في الميثولوجيا وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، ولد في كركوك عام 1951، وأكمل دراسته في بغداد، وحصل على الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا عام 1996.
ويكشف هذا التكوين المعرفي عن نفسه بوضوح في تجربته الشعرية؛ فالأسطورة عند الماجدي ليست زينة لغوية أو استدعاءً لأسماء قديمة، وإنما جزء من طريقة النظر إلى العالم والإنسان والتاريخ.
صدر ديوان «فيزياء مضادة» عن مكتبة المنصور في بغداد عام 1997، ثم صدرت طبعة عن مؤسسة أبجد عام 2022، وأتاحت مؤسسة هنداوي نسخة من الكتاب عام 2024.
ويضم الديوان 100 قصيدة نثر قصيرة ومركزة. وقد وضعه الماجدي ضمن مشروعه الشعري في حقل قصيدة النثر، وهو ما يفسر بناء النصوص على التكثيف والمفارقة والصورة الخاطفة بدل الامتداد السردي الطويل.
ماذا يعني عنوان «فيزياء مضادة»؟
منذ العنوان، يضع خزعل الماجدي القارئ أمام مفارقة. فكلمة «فيزياء» تحيل عادة إلى العالم المادي وقوانينه، بينما توحي كلمة «مضادة» بوجود محاولة لقلب هذه القوانين أو البحث عن نظام آخر خلف الأشياء المرئية.
إنها ليست فيزياء العلم بمعناه المباشر، بل يمكن قراءتها بوصفها فيزياء شعرية للإنسان والجسد والذاكرة والموت والجمال.
وفي قراءة للناقد نعيم عبد مهلهل، تظهر فكرة «فيزياء الوردة» باعتبارها مدخلًا إلى عالم الماجدي؛ أي الانتقال من فيزياء المادة الصلبة إلى فيزياء أكثر هشاشة وغموضًا، يكون فيها الورد والجسد والأسطورة والحلم أدوات لمعرفة الوجود.
وبذلك يصبح عنوان الديوان مفتاحًا لمشروع شعري يحاول إعادة تعريف العالم من خلال الشعر، لا من خلال القوانين العلمية وحدها.
الأفكار المركزية في ديوان «فيزياء مضادة»
1. العودة إلى الجذور السومرية
يُعد استلهام الحضارة السومرية أحد المحاور الأساسية في الديوان، ويتجلى ذلك منذ القصيدة الافتتاحية «احتفظ بمحراثك»، حيث يخاطب الشاعر السومري ويطلب منه أن يتمسك بمحراثه.
«احتفِظ بمِحراثِك أيها السومريُّ، احتفِظْ به… فسيعود ذلك اليوم الذي كنتَ تحرث به ألغاز الأرض وتقطف ثمارها».
لا يظهر المحراث هنا بوصفه أداة زراعية فحسب، بل يتحول إلى رمز للهوية والذاكرة والاستمرارية الحضارية. فالسومري الذي حرث الأرض وابتكر الكتابة يظل، في الرؤية الشعرية للماجدي، حاضرًا تحت طبقات الزمن.
وتكتسب القصيدة بذلك نبرة الوصية والنبوءة معًا: قد تتغير الأزمنة وتتعاقب الحروب والانكسارات، لكن الجذر الحضاري يبقى قادرًا على استعادة حضوره.
2. نقد الإنسان المعاصر وانحسار الإنساني
من أكثر نصوص الديوان دلالة في هذا الجانب قصيدة «حين دخلتُ إلى الغابة». يبني الماجدي مفارقة بين الحيوان والإنسان، إذ تتصرف الحيوانات وفق طبيعتها، بينما يصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يحاول اصطياد الشاعر.
«أما الإنسان… فقد حاول اصطيادي».
في جملة شديدة الاختصار، يقلب الشاعر التصنيف المعتاد الذي يضع الإنسان في قمة الكائنات بسبب العقل والأخلاق. فالحيوان لا يخون طبيعته، أما الإنسان فيمتلك القدرة على أن ينقلب على إنسانيته.
وتتحول الغابة بذلك إلى مرآة للعالم الحديث، فيما يصبح الإنسان هو المفترس الحقيقي.
3. الحب والجسد والأنوثة
يحتل الجسد مساحة بارزة في شعر خزعل الماجدي، لكنه لا يظهر باعتباره مادة حسية فقط. ففي «فيزياء مضادة» يلتقي الجسد بالكون والأسطورة والروح.
وفي قصيدة «الحقيقة» ترتبط الحقيقة بجسد امرأة تستحم، ليصبح الجسد نفسه مصدرًا للنور والمعرفة.
«ضوءٌ يأتي من جسد امرأة يكفي أن يضيءَ الكون بأكمله».
وتكشف هذه الصورة عن محاولة لإلغاء الفصل التقليدي بين المادي والروحي. فالأنثى ليست موضوعًا خارجيًا يتأمله الشاعر، وإنما تتحول إلى قوة خلق ومصدر للضوء والحقيقة.
4. الموت والانقراض وجدلية القوة والضعف
في قصيدة «الديناصور» ينتقل الماجدي من مصير الكائنات المنقرضة إلى سؤال أكبر يتعلق بمعنى القوة نفسها.
فالكائن الذي تضخم واستوحش لم تضمن له قوته البقاء. ومن هنا تتولد المفارقة: هل تكون القوة المفرطة مقدمة للفناء بدل أن تكون ضمانًا للاستمرار؟
وتتجاوز الفكرة علم الأحياء لتصبح قابلة للقراءة في سياق الإنسان والدول والحضارات والسلطات التي تبني وجودها على القوة المجردة.
5. الصمت بوصفه استعدادًا للمواجهة
تقدم قصيدة «اصمتي» مفهومًا مختلفًا للصمت. فهو ليس استسلامًا أو انسحابًا من العالم، وإنما لحظة تسبق الانفجار والتحول.
«اصمُتي يا حياتي… ولننتظر الرخَّ الذي يشق سماءنا وتاريخنا».
إنه صمت مشحون بالقلق والترقب؛ محاولة لسحب الطمأنينة الزائفة وانتظار هزة تغير شكل الأشياء.
ومن هنا يمكن فهم الصمت عند الماجدي بوصفه طاقة كامنة للمواجهة وليس نقيضًا لها.
القيم والمعارف في ديوان «فيزياء مضادة»
التراث بوصفه ذاكرة حية
لا يعامل خزعل الماجدي التراث السومري والشرقي باعتباره متحفًا للماضي، بل باعتباره عنصرًا حيًا يمكن من خلاله قراءة الحاضر.
وفي نصوص مثل «قديمًا» يظهر الماضي مقرونًا بالمعابد والأسئلة والبحث عن الحقيقة، قبل أن يقابله حاضر تتراجع فيه المعاني الكبرى.
وتنبع أهمية هذا الاستخدام للتراث من أنه يمنح قصيدة النثر طبقة معرفية تمتد من التاريخ القديم إلى الأسطورة وصولًا إلى أسئلة الإنسان المعاصر.
نقد السلطة والسياسة
يتقاطع عالم الماجدي الشعري مع موقف نقدي واضح تجاه السلطة، ليس بالضرورة من خلال الشعارات السياسية المباشرة، وإنما من خلال الدفاع عن حرية الإنسان والفرد والشاعر.
وتظهر هذه الروح في قصيدة «يقفون»، حيث يحاصر «أصحاب البأس» الطريق بينما يستمر المتكلم في التقدم.
«لكنني أتقدمُ… وأنا أحمل قلبي بين جناحيَّ، وأنسى من يقفون».
فالمقاومة هنا ليست عسكرية، بل مقاومة فردية وروحية، تتمثل في مواصلة الطريق وعدم السماح للعائق بأن يصبح مركز الحياة.
الجمال بوصفه مقاومة
يكتسب الجمال في «فيزياء مضادة» معنى يتجاوز الزينة. ففي قصيدة «تباعًا» يرتبط الجمال بالخفة والتصالح مع النقص والتحرر من المقاييس.
ومن هذا المنظور يصبح الجمال موقفًا وجوديًا مضادًا للثقل والخوف والجمود، ووسيلة يستطيع بها الإنسان مقاومة الفناء والعبث.
البحث عن المطلق ووحدة الوجود
تتكرر في الديوان إشارات إلى الكون والعدم والروح والمطلق، وهي مفردات ترتبط بتكوين الماجدي المعرفي في الميثولوجيا والأديان القديمة.
«هناك… في دماغ الكون، في العدم».
لا يقدم الشاعر إجابات فلسفية نهائية، بل يستخدم القصيدة نفسها بوصفها مساحة للسؤال. وهذا ما يمنح «فيزياء مضادة» بعدًا غنوصيًا وتأمليًا واضحًا.
قراءة في أبرز قصائد «فيزياء مضادة»
«احتفظ بمحراثك».. الهوية التي تعبر الزمن
يمكن قراءة القصيدة الافتتاحية بوصفها بيانًا شعريًا مصغرًا للديوان. فالمحراث يحيل إلى الأرض والعمل والحضارة، لكنه يتصل أيضًا بالسومري الذي شكل أحد أقدم أنماط الوعي الحضاري في بلاد الرافدين.
ويضع الماجدي ألفي عام قبل الميلاد في مقابل ألفي عام بعد الميلاد، ليجعل الزمن نفسه عابرًا، بينما يبقى المحراث رمزًا لما هو أعمق من التحولات السياسية والتاريخية.
«اصمتي».. الصمت قبل الانشقاق
تعتمد القصيدة على أمر متكرر هو «اصمتي»، لكن بنيتها الداخلية لا تتجه نحو السكون. على العكس، تمتلئ بالنمور والأقفال والرخ والسماء المشقوقة والطبيعة التي تريد ابتلاع الإنسان.
وهذه المفارقة بين الصمت والحركة تجعل القصيدة أقرب إلى تصوير لحظة تسبق الانفجار الداخلي.
«الحقيقة».. الجسد بوصفه معرفة
من أكثر نصوص الديوان جرأة في إعادة تعريف العلاقة بين الجسد والروح. فالحقيقة ليست فكرة مجردة خارج العالم، وإنما يمكن اكتشافها في أكثر الأشياء مادية وحميمية.
وبهذا يقلب الماجدي الثنائية التقليدية بين الجسد بوصفه مادة والروح بوصفها مصدر الحقيقة.
«حين دخلتُ إلى الغابة».. من هو الوحش الحقيقي؟
تعتمد القصيدة على مفارقة بسيطة ومباشرة: الحيوانات تعرف نفسها وتتصرف وفق طبيعتها، بينما يخفق الإنسان في أن يكون إنسانًا.
والقوة الأساسية للنص تأتي من نهايته؛ إذ تكفي محاولة الإنسان اصطياد الشاعر لقلب معنى المشهد كله وتحويل الغابة من مكان للخطر إلى مكان يكشف خطر الإنسان نفسه.
«الديناصور».. القوة التي تحمل بذرة فنائها
يستخدم الماجدي الانقراض بوصفه سؤالًا فلسفيًا. فالديناصور الذي يمثل الحجم والقوة ينتهي، بينما تستمر كائنات أصغر وأضعف.
وتسمح هذه الصورة بقراءة القصيدة باعتبارها نقدًا لفكرة القوة المطلقة، سواء كانت قوة فرد أو سلطة أو حضارة.
«نحن».. الإنسان داخل جسد الكون
في قصيدة «نحن» يتخيل الماجدي البشر وكأنهم يعيشون داخل معدة حيوان كوني هائل.
الصورة ساخرة ومرعبة في الوقت نفسه؛ فهي تنزع عن الإنسان وهم المركزية، وتضعه داخل نظام أكبر لا يعرف قوانينه ولا يستطيع السيطرة عليه.
ومن خلال هذه الصورة تقترب القصيدة من السؤال الأساسي الذي يطارد الديوان كله: ما موقع الإنسان الحقيقي داخل الكون؟
أكثر قصائد «فيزياء مضادة» جرأة فكريًا
يمكن تحديد مجموعة من القصائد الأكثر جرأة في الديوان وفق طبيعة السؤال الذي تطرحه، وليس بمعنى وجود ترتيب نهائي لقيمتها الفنية.
1. «حين دخلتُ إلى الغابة» – نقد مركزية الإنسان
تسحب القصيدة من الإنسان امتيازه الأخلاقي المفترض، وتجعله أكثر افتراسًا من الحيوانات التي اعتاد أن ينظر إليها باعتبارها أدنى منه.
وخطر السؤال هنا فلسفي: ماذا يتبقى من الإنسان عندما يفقد السلوك الذي يمنحه معنى الإنسانية؟
2. «الديناصور» – تفكيك أسطورة القوة
تقترح القصيدة أن التضخم والقوة لا يضمنان الاستمرار، بل قد يحملان بذرة الانقراض. ولهذا يمكن قراءة النص خارج عالم الحيوان بوصفه تأملًا في تاريخ القوى الكبرى والحضارات والسلطات.
3. «يقفون» – مواجهة السلطة والعوائق
في هذه القصيدة يصبح الاستمرار نفسه شكلًا من المقاومة. فـ«أصحاب البأس» يقفون في الطريق، لكن المتكلم لا يدخل في سجال معهم، وإنما يختار التقدم.
إنها مقاومة تقوم على عدم السماح للقوة الخارجية بتحديد مصير الفرد.
4. «الحقيقة» – كسر الفصل بين الجسد والمقدس
تكمن جرأة القصيدة في نقل مفهوم «الحقيقة» من المجال التجريدي إلى الجسد الأنثوي. فالرحم والضوء والماء والأعضاء الجسدية تدخل كلها في بناء مشهد له بعد وجودي وروحي.
ويؤسس ذلك لما يمكن وصفه بـغنوصية جسدية لا ترى تناقضًا حتميًا بين الروح والمادة.
5. «لا معابد» – المعبد داخل الإنسان
«هذه المعابدُ والكنائس والصوامع ليست على الأرض، كلُّها في نفسي».
تضع القصيدة التجربة الروحية في الداخل بدل المؤسسة والمكان، وتنقل مركز العلاقة مع المطلق إلى الذات الإنسانية.
ويمكن قراءتها بوصفها نقدًا للمأسسة الدينية أكثر من كونها نفيًا للتجربة الروحية نفسها.
السمات الفنية والأسلوبية في ديوان «فيزياء مضادة»
التكثيف
تعتمد معظم القصائد على الاقتصاد في اللغة وتجنب الشرح. فالصورة أو المفارقة غالبًا ما تحمل العبء الأكبر في إنتاج المعنى.
المفارقة
من الحيوان الأكثر إنسانية من الإنسان إلى الضعيف الذي ينجو بينما ينقرض القوي، تقوم كثير من نصوص الديوان على قلب التوقعات.
المعجم الكوني
تتكرر مفردات الكون والعدم والشمس والطبيعة والضوء والزمان، وهو ما يوسع مساحة القصيدة من التجربة الفردية إلى سؤال وجودي أشمل.
حضور الجسد
الجسد عند الماجدي ليس تفصيلًا هامشيًا، بل أحد مفاتيح المعرفة الشعرية. يظهر بوصفه مكانًا للرغبة والموت والنور والحقيقة في آن واحد.
الأسطورة دون سرد أسطوري مباشر
على الرغم من الخلفية الميثولوجية للماجدي، لا تتحول قصائده إلى إعادة سرد للحكايات القديمة. فالأسطورة غالبًا ما تظهر في صورة أو رمز أو اسم يمنح النص طاقة إضافية دون أن يبتلعه.
الجمع بين البساطة والعمق
بعض أكثر نصوص الديوان تأثيرًا شديد البساطة في بنائه اللغوي، لكن المفارقة أو السؤال الكامن خلف الصورة يفتحان النص على تأويلات فلسفية متعددة.
مختارات شعرية من ديوان «فيزياء مضادة»
احتفظ بمِحراثكَ
احتفِظ بمِحراثِك أيها السومريُّ،
احتفِظْ به
فسيعودُ ذلكَ اليومُ الذي كنتَ
تحرثُ به ألغازَ الأرضِ وتَقطفُ ثمارَها.
احتفِظْ بمِحراثكَ؛
فالثيرانُ ستَقوى على بعثَرةِ كلِّ
هذا الظلام الذي أَحاط بك.
ألفان قبل الميلاد،
ألفان بعد الميلاد،
لا بأس!
كلُّها ستنقَشِع،
ولكنْ …
احتفظ بمحراثك.
اصمُتي
اصمُتي يا حياتي …
ولنسحَب منكِ الطمأنِينةَ والهدوءَ.
لنسحَبِ المَغانِيطَ التي تُعلقُنا في المكانِ الصحيح.
لنسحَبِ الأغشيةَ والمساحيقَ،
ولننتَظِر الرخَّ الذي يشقُّ سماءَنا وتاريخَنا،
الرخَّ الذي يَشقُّ الخلايا بشفقةٍ وحزنٍ؛
لذلك تبدو نموري مُرهَقةً من الأَقفال،
ومن نبيذٍ يتسرَّبُ بينَ الفكَّين،
ولذلكَ يتمزَّقُ طبلٌ في مكانٍ ما،
وتتمَزقُ كفٌّ مُضرَّجةٌ بالأُنوثةِ،
ولكنَّنا لا نُفيقُ بفعلِ هذه النمورِ
المرهَقةِ الذبيحةِ الواقفةِ في مراصدِنا،
ونبقى أسرى الشمسِ. اصمُتي يا حياتي!
ويا أيتها الخمور دعينيِ أَسدُّ بكِ الفمَ الهائلَ للطبيعةِ،
الفمَ الذي يريد ابتلاعنا كلَّ لحظةٍ.
أراكِ
أراكِ وأنتِ تكرعِينَ بكأسِ الذهبِ
الفخمِ اللذَّات.
وأنتِ تَنحدِرين مثلَ سيولٍ،
وتُزمجرينَ مثل لبوةٍ.
وأراكِ تَجذبينَ الشذرَ مِن الليلِ،
وأنا أُنشِّفُ أقدامَكِ من الندى،
وأَمسحُ أَصابعَكِ،
وأُلبسُكِ الخاتمَ،
وأبوسُ يَدكِ.
الماضي
الماضي جثةُ اليدِ واللسان.
ولذلكَ اضرِبْ يَدك ولسانَكَ دائمًا
تَعِش أكثر،
وتتفتَّحُ ماساتٌ ووردٌ تحتَ رمادِكَ.
اضرِب يَدكَ ولِسانَك
كي لا يَضرِبكَ الموتُ.
ولم
ولم يكن حيٌّ بَعد،
فعملتُ بيتًا من وغفِ جسدِكِ،
فانعملَ لي ما أسكنُ فيه ولا أسكنُ إلَّا بِه.
وعملتُ نسيجًا من غرينِك الذي
يتساقطُ بين يديَّ،
ومن بذوركِ التي تشبُّ أَغصانًا على جسدي،
ومن ترفكِ الذي يتموَّجُ كلَّما أبصرتُه،
فانعملَ لي حتى قُدتُكِ، دونَ عروةٍ،
ودخلتُ بكِ نور الزمان.
أضربُ العشبَ
أضربُ العشبَ كي يَضربَني،
أضربُ الغلالةَ العامرةَ للطبيعة؛
كي أترنَّحَ مخبولًا سَكرًا،
هو انحرافٌ أضربُ
به كلَّ يوم قِوامي،
وأضربُ مسلتي.
انحرافٌ يقول لي بأنَّ
درنَةَ الفمِ شهقةٌ في الفوضى،
وأنها ياقوتةٌ مقذوفةٌ في المُطلق!
أضربُ العشبَ كي لا يضربني.
زجاجُ الوردةِ
زجاجُ الوردةِ يتطاير من يدَيكِ،
وصدرُكِ هذا الذي يجذبُ الملائكةَ
رفيفُ أجنحةِ الشمسِ في دمكِ،
وعيونُك طيورٌ تضيء.
أما جُثَّة أَقدامكِ فلبنٌ يتفطرُ،
وأنا أعاينُ خريطتي فيكِ،
أعاينُ حقولَ السنبلِ
ترفعكِ إلى الأَعالي
فتتلوَّى لكِ الآفاقُ،
وينطمرُ بلوطٌ يقفُ عليها
ويفوتُ قمرٌ وقمران
وأَنا أعاينكِ
ويداكِ تخيطان الفأل الحسنَ لي.
الشتاءُ
الشتاءُ ثانيةً
شتاءُ الوحولِ، شتاءُ الطيورِ
شتاءُ الباراتِ، شتاءُ الكئوسِ
شتاءُ الدخانِ، شتاءُ الكتبِ
شتاءُ الأصدقاءِ، شتاءُ المقاهي
شتاءُ الليالي، شتاءُ الطعام
شتاءُ السرير
يا لقلبي
كم دَمُهُ حارٌّ،
بينما الشتاءُ يتربصُ بالكونِ كلِّهِ!
بيانو
بيانو يرشقُ النارَ
ذلك الوردُ الذي تُخلِّفه الموسيقى في مفاصلِنا،
الوردُ الذي يفورُ في إناءٍ فخم،
وردُ التوغلِ في العُبابِ وشمِّ القمر،
وردُ التغاضي عن عنفوانِ الطبيعةِ!
وخلافًا لذلك …
فأنا في نوعٍ من الغفلةِ،
وفي غيومٍ تتوعَّد،
خلافًا لذلك …
تتفوَّق ذكرى ذلك الغبار؛
الغبار الذي يغطي العالمَ،
ذكرى ذلك القلب الذي لم يكن
يعرفُ البيانو
وهو يرشُق غاباته كلَّ صباح.
صورٌ فوتوغرافية
صورٌ فوتوغرافية ضخمةٌ مُعلَّقةٌ على الآفاق،
صورٌ يتحرَّك شخوصُها،
بلونَيهم الأَسود والأَبيض،
في مداخلِ العماراتِ … في المتاجرِ … في الشوارعِ.
يتنافسون بحدَّةٍ … يسوقون سياراتٍ تلمع.
يأكلونَ … يسكرونَ … يتضاربونَ … يتراكضونَ …
ولا يأبهونَ بنا …
يتصرفونَ وكأننا غير موجودين.
شخوصٌ بالأَسود والأَبيض،
يقفلونَ علينا منافذَ حياتنا،
شخوصٌ لا ينامونَ في ألبوماتنا،
بل يصيحونَ في الساحاتِ العامةِ،
وبالأَسود والأَبيض.
ما هذا النبيذ؟
ما هذا النبيذُ الذي يشعُّ في أسطورتهِ؟
ما هذه الخيولُ المُسرَجةُ تتدافعُ بين رجلَيه؟
ما هذه الطرقُ المطرزةُ بعصاه؟
دعونا نتتبع خطاه.
كلُّ هذه الطيور لتدلنا على مكانه.
كلُّ هذه الأَسماك لتقودنا إليه.
يا إلهي …
إنه هناك.
يستريحُ معَ أضرحةِ الزمان،
يستريحُ في الجنون.
لا تتباكَ
لا تَتباكَ بشكلٍ جبانٍ على الماضي.
أمسِك مهمازَكَ وشُقَّ طريقَكَ،
ودعْ عنكَ هذه الخِرَق البالية.
ارمِ المُسوحَ،
وتخلَّص من أمتعتِكَ القديمة.
ارفَع رأسَك عاليًا وسِر.
تنتظركُ الآن مدينةٌ جديدةٌ،
وكأسٌ جديدةٌ، وامرأة جديدةٌ،
وقصيدةٌ جديدةُ،
فتقدَّم … ولا تلتفِت.
خلاصة: لماذا يبقى «فيزياء مضادة» تجربة مختلفة؟
لا تكمن خصوصية ديوان «فيزياء مضادة» لخزعل الماجدي في موضوع واحد أو تقنية شعرية منفردة، وإنما في شبكة العلاقات التي يبنيها بين أشياء تبدو متباعدة: سومر والجسد، الديناصور والسلطة، الوردة والكون، المرأة والحقيقة، الموت والجمال، والأسطورة والحياة اليومية.
إن الماجدي لا يستخدم معرفته بالأساطير وتاريخ الأديان لكي يحول القصيدة إلى درس معرفي، بل يذيب هذه المعرفة داخل الصورة الشعرية، حتى تصبح الميثولوجيا جزءًا من اللغة التي يفكر بها النص.
كما أن قصائد المجموعة القصيرة لا تقدم إجابات جاهزة، بل تعتمد غالبًا على المفارقة وفتح السؤال. فالإنسان قد يصبح أقل إنسانية من الحيوان، والقوة قد تقود إلى الانقراض، والجسد قد يتحول إلى طريق نحو الحقيقة، والماضي لا يعود زمنًا انقضى وإنما طبقة لا تزال تتحرك داخل الحاضر.
ومن هنا يمكن فهم «فيزياء مضادة» بوصفه محاولة لبناء قوانين شعرية موازية لقوانين العالم: قوانين يكون فيها الخيال أداة للمعرفة، والجمال وسيلة للمقاومة، والأسطورة ذاكرة للحاضر، والقصيدة مساحة لإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل الكون.
وبعد عقود من صدور المجموعة، تظل كثير من أسئلتها مفتوحة، ربما لأن الماجدي لم يكتبها بوصفها إجابات لزمن محدد، بل بوصفها محاولة دائمة للاقتراب من ذلك الجزء الغامض من الإنسان الذي لا تستطيع «الفيزياء» وحدها تفسيره.
المراجع والدراسات
- خزعل الماجدي، «فيزياء مضادة»، مكتبة المنصور، بغداد، 1997؛ وطبعة مؤسسة أبجد، 2022؛ ونسخة مؤسسة هنداوي، 2024.
- نعيم عبد مهلهل، قراءة نقدية بعنوان «فيزياء مضادة»، منشورة على صفحة خزعل الماجدي، يوليو/تموز 2026.
- نعيم عبد مهلهل، قراءة في نص «احتفظ بمحراثك أيها السومري».
- علي حسن الفواز، «في أعمال خزعل الماجدي: غواية الكتابة في الشعر الشرقي»، القدس العربي، مايو/أيار 2011.
- وديع شامخ، «حوار مع الشاعر العراقي خزعل الماجدي»، وفيه يتحدث الماجدي عن «فيزياء مضادة» بوصفها مئة قصيدة نثر وجزءًا من مشروعه الشعري.
- مؤسسة هنداوي، صفحة ديوان «فيزياء مضادة» والسيرة التعريفية بخزعل الماجدي.
- مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، إصدار «فيزياء مضادة» لخزعل الماجدي.
إعداد: محمد عبد الكريم يوسف


