الرئيسية / اخبار / اقتصاد / مفاهيم اقتصادية
مفاهيم اقتصادية
مفاهيم اقتصادية

مفاهيم اقتصادية

مفاهيم اقتصادية

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

مقدمة

سنحاول في هذا المقال توضيح بعض المفاهيم الاقتصادية التي نصادفها في حياتنا اليومية ،  وفي كثير من الأحيان يلتبس علينا المعنى ، ويتداخل وتغيب الصورة الواقعية الحية .

تعريف علم الاقتصاد:

علم الاقتصاد هو العلم الذي يُعنى بدراسة النشاط الواقعي للأفراد والجماعات في سعيهم المستمر لإشباع حاجاتهم المتعددة والمتزايد والمتجددة من خلال استخدام مواردهم النادرة نسبياً ووسائلهم المحدودة.

ويصعب على الإنسان أن يكون اقتصادياً جيداً إذا ألم بعلوم الاقتصاد فقط”.لأن علم الاقتصاد يرتبط بالعلوم الاجتماعية والإنسانية والأساسية الأخرى, ويتداخل ميدان نشاطه مع ميادين نشاطاتها.

علم الاقتصاد والعلوم الإنسانية :

يرتبط علم الاقتصاد ارتباطاً وثيقاً وجدلياً وعضوياً وموضوعياً بعلم النفس وعلم الاجتماع, كونه علماً يستند إلى الحقائق والوقائع التي يصنعها الأفراد من خلال سلوكياتهم في إطار المجتمع في إطار سعيهم لإشباع حاجاتهم، تحكمهم اعتبارات ذاتية وعوامل نفسية تختلف من شخص لآخر.  

علم الاقتصاد و الرياضيات والإحصاء والبرمجة:

تعتمد أساليب التحليل الاقتصادي بشكل أساسي على الإحصاءات والأرقام والبرمجيات والأدوات والنماذج والأساليب والمعادلات الرياضية وبالتالي تكون العلاقة وثيقة بين علم الاقتصاد والعلوم العلمية الأخرى .

النظرية الاقتصادية:

تعمل النظرية الاقتصادية على اكتشاف القوانين التي تُسيّر آلية الفعالية الاقتصادية، وعلم الاقتصاد لا يخترع القوانين ولا يخلقها من العدم، وإنما يُسجل الظواهر الاقتصادية ويرتبها ويستخلص العلاقات المتكررة منها، ويَعتَبرها قوانين اقتصادية مُكتَشَفة، وبالمحصلة فإن مجموع هذه القوانين يُسمى النظرية الاقتصادية، مثل  قانون العرض  و قانون الطلب  والتي يمكن استخدامها كأداة للتنبؤ بما يُحتمل حدوثه في المستقبل.

السياسة الاقتصادية:

يمكن تعريف السياسة الاقتصادية عموماً بأنها  تحديد ووضع الاستراتيجيات والخطط والبرامج المستقبلية المناسبة، لمعالجة مشكلة ما أو لتحقيق واحد أو أكثر من الأهداف الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية . ومن هذه الأهداف   تشجيع التصدير وتخفيض مستوى البطالة و مكافحة التضخم و حماية المنتَج المحلي، وغيرها من الأهداف التي قد تكون منسجمة مع بعضها وقد تكون متعارضة وغريبة وعصية على الفهم .

التحليل الاقتصادي الجزئي:

يتناول التحليل الاقتصادي الجزئي السلوك أو النشاط الاقتصادي على المستوى الفردي, سواء أكان ذلك على مستوى المستهلك أم على مستوى المصنع الواحد أو المنشأة الإنتاجية أو المؤسسة أو الشركة الواحدة أم على مستوى فرع إنتاجي محدد مثل الألبسة و المعلبات الغذائية و الحبوب وغيرها, وقضايا تَشَكُّل أسعار السلع والخدمات وقضايا الطلب والاستهلاك والعرض الفردي .

التحليل الاقتصادي الكلي :

يهتم التحليل الاقتصادي الكلي بدراسة السلوك الاستهلاكي الإجمالي والناتج على مستوى الاقتصاد الوطني بأكمله، ودراسة المؤشرات المتغيرات الاقتصادية الكلية مثل الدخل القومي و الناتج المحلي و العمالة ومستوى التشغيل و وظواهر الركود والكساد ومعدلات البطالة ووضع ميزان المدفوعات وحجم الكتلة النقدية.

التحليل الاقتصادي الاستنتاجي:

يبدأ الاستنتاج في علم الاقتصاد من مبادئ عامة كلية يفترض أنها صحيحة, للوصول إلى قواعد و”تعميمات جزئية” مستخلصة يمكن تطبيقها في الواقع على حالات خاصة و/أو على أمور جزئية, وذلك عن طريق إتباع أسس التفكير العلمي والتحليل المنطقي كأن تكون نقطة البدء مقولة أن الشخص رشيد وعقلاني، ولا بُد أن يسعى دائماً إلى تعظيم الربح وتقليل التكلفة، لذلك يَفترِض هذا المنهج التحليلي أن هذا الرجل سيزيد الشراء من السلعة إذا انخفض سعرها وتقليل الشراء منها عند ارتفاعه، ليتم استخلاص قانون الطلب كقاعدة جزئية من القاعدة العامة المتمثلة بالرجل الاقتصادي النموذجي.

التحليل الاقتصادي الاستقرائي:

تبدأ الطريقة الاستقرائية بملاحظة مجريات الواقع الجزئي ، وبالتحليل المنطقي تصل إلى قاعدة أو نتيجة جزئية، تقوم بتعميمها مثل العلاقة العكسية بين مستوى التعليم الوالدين ومتوسط عدد أفراد الأسرة ، يتم تعميم هذه القاعدة بأنها تنطبق أيضاً في أماكن أخرى، أينما تشابهت الظروف مع ظروف المجتمع الذي تمت دراسته…، وبالتالي فإن الطريقة الاستقرائية تستبعد الفروض المبسطة المتعلقة بإنسان أو مجتمع نظري, وتبدأ دائماً من المجتمع الواقعي.

المشكلة الاقتصادية :

ترتبط المشكلة الاقتصادية بوجود الإنسان منذ بدء الخليقة، كونها مرتبطة بإشباع حاجاته ورغباته الملحة، كالحاجة إلى الطعام والشراب والكساء والمأوى، ولا يكاد الإنسان يبدأ محاولته الفعلية لإشباع هذه الحاجات، حتى يتبين أنها أكثر من أن تُشبع كلها فوراً أو دفعة واحدة في حدود دخله المُتاح أو في إطار مقدرته المحدودة نسبياً على تأمين الموارد اللازمة لإشباعها، فيكتشف أن عليه إشباع بعضها فقط، أو الضروري منها، ويؤجل إشباع الباقي .

الحاجات الإنسانية والموارد الاقتصادية:

هناك الحاجات المادية من جسدية أو فيزيائية أو عضوية. وهناك الحاجات غير المادية من نفسية و روحية و معنوية و ثقافية و معرفية. أما السلع والخدمات التي تُشبع هذه الحاجات، فتُقسم عموماً إلى  السلع والخدمات الضرورية و السلع والخدمات الكمالية .

علم الاقتصاد والعنصر البشري:

العنصر البشري هو الجهد  الفكري أو الإبداعي  أو  العضلي، الجسدي  الذي يبذله الفرد في النشاط الاقتصادي  ، ولكي يُعد عنصر العمل البشري عاملاً اقتصادياً وعنصر إنتاج يُشترط أن يكون مدفوع الأجر، وإن لم يكن كذلك فإنه لا يُعد من عناصر الإنتاج المدروسة اقتصادياً. و يقتضي التنويه إلى أن عمل الأقرباء أو أفراد العائلة أو عمل المالك في المنشآت الإنتاجية قد يُعالج محاسبياً باعتباره أجر تكلفة الفرصة البديلة أو الضائعة، وتُضاف هذه التكلفة إلى تكلفة الإنتاج، سواء تم فعلاً تسديد الأجر للأقرباء أم لا…، وفي هذه الحالة يُعتبر عملهم اقتصادياً وعنصراً من عناصر الإنتاج. ويُحتسب أجر تكلفة الفرصة البديلة كالآتي: كم من النقود كانت ستحصل ابنة صاحب المنشأة فيما لو اشتغلت لدى منشأة أخرى بذات الكفاءة والجهد والوقت؟  وبشكل عام يسمى التعويض الذي يحصل عليه العمل في العملية الإنتاجية: الأجر بمختلف مسمياته من مكافآت وتعويضات وتأمين صحي وبمختلف أشكاله النقدية والعيني.

علم الاقتصاد ومفهوم القيمة:

إن أول من بحث علمياً بمفهوم القيمة هو الفيلسوف اليوناني أرسطو( 384-322 ق م)، الذي ميّز بين مفهومين للقيمة، الأول القيمة في التبادل والثاني القيمة في الاستعمال)، حيث أشار إلى أن السلع تستمد قيمتها من منفعتها من جهة، ومن ندرتها ونفقات الحصول عليها من جهة أخرى، وضرب مثالاً عن  الخف ، فقال أنه يمكن استعماله من أجل الاحتذاء كما يمكن استعماله من أجل المبادلة.

ويرى ابن خلدون في مقدمة مؤلفه الشهير، أن “قيمة الشيء لا تقتصر فقط على القيمة التي يخلقها مباشرةً العمل، بل تسهم فيها أيضاً قيمة وسائل الإنتاج، وبالأخص المواد الخام المستخدمة في عملية الإنتاج..” ..، وقد ميز ابن خلدون أيضاً بين القيمة في الاستعمال والقيمة التبادلية، واعتبر أن جميع القيم في الاستعمال ليست إلا نتاج العمل، وفي ذلك تقدم –بالمقارنة مع أرسطو- في تعريف البضاعة خطوة هامة، حيث إن أرسطو اكتشف أن تبادل البضائع يجري على أساس التكافؤ، ولكنه لم يكتشف الأساس الذي يستند إليه هذا التكافؤ، بينما وجد ابن خلدون في تعادل البضائع تعادلاً في كمية العمل المبذول في إنتاجها، ويكون  ابن خلدون في جوهر الأمر قد طرح مفهوم القيمة، الذي وقف أمامه أرسطو ، والذي أصبح فيما بعد أساس الاقتصاد السياسي عند  سميث  و ريكاردو  و ماركس .

 ومع تعقد الحياة الاقتصادية حاول مفكرو العصور الوسطى إيجاد مفهوم أدق وأوضح للقيمة، فأكد توما الاكويني  (1225-1274)، ومن بعده الاقتصاديين الإيطاليين والفرنسيين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ما جاء به  أرسطو قبلهم بقرون بأن: قيمة السلعة تتحدد بمنفعتها) وندرتها .    

مفهوم القيمة لدى المدرسة الكلاسيكية:

 يرى آدم سميث   أن القيمة تتحدد بالعمل المبذول في إنتاج السلع)، والذي يُقاس بالزمن، وفرّق بين العمل البسيط أو غير المؤهل، والعمل المعقد أو المؤهل، وهذا ينطبق على المجتمعات البدائية التي يكون فيها العمل هو أساس النشاط الإنتاجي، وبخاصة في مجال الزراعة والصيد، أما في الاقتصاد الحديث فيتشارك العمل مع كل من عنصري الأرض ورأس المال في خلق وتحديد القيمة.

أما ريكاردو، فقد ركّز على العمل في تحديد القيمة. ورغم أنه اعتبر أن القيمة تتوقف على نفقة الإنتاج، إلا أنه أرجع نفقة الإنتاج إلى المجهود البشري وحده، أي إلى عنصر العمل دون غيره من عناصر الإنتاج الأخرى، واشترط ريكاردو ليكون العمل أساساً في تحديد القيمة، أن تكون السلعة المنتجة نادرة، وأن تكون المنافسة كاملة في السوق.

مفهوم القيمة في النظرية الماركسية:  

طوّر ماركس نظرية القيمة في العمل عندما ميّز بين العمل الفردي المبذول فعلاً في إنتاج السلعة وبين العمل الضروري اجتماعياً الذي يتكلفه المجتمع وسطياً على إنتاج السلعة، وأوضَحَ أن قيمة السلعة تتحدد ليس بالعمل الفردي، بل بكمية العمل الوسطية الضرورية اجتماعياً لإنتاجها، وبالتالي فإن السلع التي تتجسد فيها كمية متساوية من العمل الضروري اجتماعياً تكون لها القيمة السوقية ذاتها. ويُقصد بالعمل الضروري اجتماعياً، العمل الذي يتم بمستوى متوسط من الكفاءة ضمن ظروف عادية، مع الأخذ بالاعتبار للمستوى الفني والتقني السائد في الإنتاج.

نظرية نفقات الإنتاج :

حاولت هذه النظرية تلافي عيوب نظرية  القيمة في العمل ، ومن أهمها نظرية جون ستيوارت ميل ( 1806-1873) التي اعتبرت أن قيمة السلعة أو سعرها  في الفترة الطويلة  و في حالة المنافسة ، تتحدد بتكلفة كافة العوامل الداخلة في إنتاجها  أي تكلفة العمل ورأس المال وعوائد المخاطرة وتنظيم الإنتاج .

نظرية العرض والطلب :

ويرجع الفضل بها للاقتصادي الإنجليزي ألفريد مارشال ( 1842-1924)، الذي قال في كتابه مبادئ الاقتصاد بأن هناك تأثيراً متبادلاً وتفاعلاً بين جانبي العرض والطلب، وبأنهما يعملان معاً وبآن واحد على تحديد السعر، حيث أوضح أن الطلب  الذي يعتمد على  المنفعة الكلية للسلعة بالنسبة للمستهلكين و العرض  الذي يتوقف على تكاليف الإنتاج، يُحددان فيما بينهما قيمة السلعة  كحدي مقص تماماً، حيث لكلا الحدين ذات الأهمية في عملية القص التي لا يمكن أن تتم بغياب أحدهما ، ويؤدي تفاعلهما مع بعض إلى تحديد سعر التوازن وكمية التوازن للسلعة في السوق،ولكن  مارشال  كما  آدم سميث ، عجز أيضاً عن تقديم إجابة على التناقض الذي سُمي “لغز القيمة “.

مفهوم لغز القيمة :

تؤمن نظرية لغز القيمة  أن بعض السلع الضرورية جداً مثل الماء ، فتكون أثمانها منخفضة، بينما توجد سلع كمالية تكون أثمانها مرتفعة جداً  مثل الماس . وتم حل هذا اللغز عندما ظهرت نظريات المنفعة الحدية أو الهامشية، التي صححت مقولة (ألفريد مارشال) واعتبرت أن الطلب لا يعتمد على المنفعة الكلية للسلعة بالنسبة للمستهلك كما كان يَعتقد، بل يعتمد على المنفعة الحدية التي يكتسبها المستهلك من السلعة.

وعند صياغة نظرية العرض والطلب لـمارشال فإنها  تفترض ما يلي: تتحدد القيمة بتفاعل  الطلب ، الذي يعتمد ليس على المنفعة الكلية للسلعة بل على  المنفعة الحدية للسلعة  بالنسبة للمستهلكين، و العرض  الذي يتوقف على تكاليف الإنتاج… انطلاقاً من أن شدة الحاجة إلى السلعة تخف شيئاً فشيئاً لدى إروائها تدريجياً  وباعتبار أن  الوحدة الأخيرة المستهلكة من السلعة، التي يمكن الحصول عليها، هي التي تحدد منفعة السلعة بكاملها .

المفهوم التجاري ( الميركانتلي ):

استمرت أفكارها ونظرياتها حوالي ثلاثة قرون من منتصف القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر، واعتبرت أن الثروة الوطنية هي المعدن الثمين، وأن على الدولة –وليس الأفراد- أن تزيد من احتياطياتها من الذهب والفضة.

وقد تم التعبير عن أفكار المدرسة التجارية من خلال عدة صيغ مختلفة بالشكل:

أ – الصيغة المعدنية (إسبانيا في القرن السادس عشر): التي نادت بزيادة الاحتياطي من الذهب والفضة، وبالتالي ضرورة العمل على زيادة إدخالهما إلى البلاد (بتقوية أسطول الدولة لنقلهما من مستعمرات العالم الجديد)، ومنع خروجهما منها (بإقامة مراكز مراقبة جمركية حدودية لمنع تهريبهما إلى الخارج). وهذا ما أدى بالطبع إلى إضعاف النشاط الزراعي والصناعي في إسبانيا، وبالتالي إلى زيادة المستوردات.

ب – الصيغة الصناعية (فرنسا في القرن السابع عشر):وتمثلت بأن الوسيلة الأفضل لزيادة الاحتياطي من المعدن الثمين، هي تحقيق نهضة صناعية وطنية، ولا سيما صناعة مواد الزينة والترف سيساعد على تصدير بضائع عالية القيمة (وزيادة الحصيلة من المعدن الثمين).

ج – الصيغة التجارية (بريطانيا في القرن الثامن عشر): والتي تعتبر أن زيادة الثروة بزيادة المعدن الثمين تتم بالتجارة الخارجية والملاحة (وهي أفضل من الصناعة)، بدليل الازدهار الكبير الذي عاشته مدن قديمة، مثل صور وصيدا وقرطاجة والاسكندرية، على سبيل المثال، التي لم تكن مدناً صناعية.

المفهوم العقاري الفيزيوقراطي العقاري :

أسس النظرية الفيزيوقراطية عدد من الفلاسفة الذين اجتمعوا حول طبيب الملك لويس الخامس عشر، الدكتور كيني ( 1694-1774).

قدمت الفيزيوقراطية نظاماً متكاملاً للحياة الاقتصادية ينسجم مع منطقها الذي يؤيد وجود “نظام طبيعي للأشياء” تسير فيه الحياة بموجب “قوانين طبيعية”، منطقية، عقلانية وخيرة.

مفهوم الغلة الصافية :

وتتلخص معتقدات هذه النظرية  بأن الثروة الحقيقية هي التي تخلقها الأرض سنوياً، وهي متجددة، وبالتالي فإن استهلاكها لا يؤثر على مصدر إنتاجها ولا يمنع تجدد هذا المصدر. أما الصناعة –التحويلية- فهي، وعلى الرغم من أنها تزيد قيمة الشيء، ولكن هذه الزيادة لا تُحقق فَضلاً في الثروة لأن ما تُنتجه يساوي فقط قيمة عمل وجهد الصانع وما أنفقه لشراء المواد الأولية اللازمة، ما يعني أنه ليس فيها غلة صافية.  أما الثروة الناتجة عن النشاط الزراعي فتتطلب أثناء تشكلها إنفاق واستهلاك بعض الأموال، وإذا طرحنا من قيمة الإنتاج  أو من المحصول هذه الأموال (السلف، أجرة الحراثة ، ثمن البذار، حصة الزراع..الخ)، بقي هناك فضل يعادل الزيادة التي تحققت في الثروة، هذا الفضل يُسمى بالمنتج الصافي أو (الغلة الصافية)، التي هي “هبة من هبات الطبيعة”.

مفهوم دوران الثروة:

يؤمن هذا المفهوم بوجود نظام طبيعي للأشياء، وبأن هدف علم الاقتصاد هو اكتشاف هذا النظام الطبيعي، وعلى هذا الأساس استطاع كيني وضع لوحته الاقتصادية واستمد فكرة اللوحة باستحضار صورة جريان الدم في الجسم البشري، حيث وكما يرتوي الجسم البشري بالدم الذي يتدفق من القلب ثم يعود إليه، ترتوي الحياة الاقتصادية بالغلة الصافية التي تدور –ذهاباً وإياباً- بين مختلف طبقات المجتمع على شكل أعمدة ومسننات متعرجة . فالزراع والملاكون يدفعون بإنتاجهم في جسم المجتمع لشراء حاجاتهم من السلع المصنعة والخدمات وغيرها، والطبقات الأخرى تُعيد لهؤلاء الزراع ما حصلت منهم، ثمناً للمواد الغذائية والأولية اللازمة لهم، وهكذا تكتمل الدورة…، والزراعة هي القلب في هذه الدورة.

مفهوم المبادلة الاقتصادية :

يعتبر هذا المفهوم أن المبادلات لا تنتج أي ثروة، لأنها تعني بحسب تعريفها تعادل القيمة المتبادلة، وقد تخلق المبادلات ربحاً، إلا أن هذا الربح يختلف عن الثروة لأن ما يربحه أحد الطرفين، إنما يخسره الطرف الآخر، وبالتالي فإن الربح الذي يُحققه التاجر هو إهلاك للثروة، لهذا ينبذ الفيزيوقراط التجارة بين الدول، ويدعون لقصر الاستيراد على المنتجات التي لا تستطيع الدولة أن تنتجها بنفسها.

والمبادلة (الوحيدة) التي تُعتبر مجدية ونافعة بنظر الفيزيوقراط، هي التي تنقل المنتجات الزراعية إلى أيدي المستهلكين، لذا طالبوا بإطلاق حرية تجارة الحبوب في الداخل وبحرية تصديرها بهدف توسيع دائرة دوران الثروة، الأمر الذي من شأنه أن يؤمن سعراً جيداً مرتفعاً للحبوب، يعود بالخير على الشعب ويُشكل حافزاً لتنمية الزراعة التي هي مصدر الثروة.

مفهوم المالتوسية:

نشر (مالتوس) في كتابه الذي نشره عام (1798) بعنوان (بحث في مبدأ السكان) أفكاره التشاؤمية، وقال: “إن العالم يعيش تحت رحمة الأرزاق، تحت رحمة طبيعة لا رحيمة ولا خيرة، بل هي قاسية وبخيلة..، والتوازن القائم بين نمو السكان حالياً –أو في المستقبل- وبين الأرزاق إنما يقوم على البؤس والعيوب…، وإن تكاثر السكان يجب أن يكون مُحدداً بالضرورة بتزايد الأرزاق. وقد تفاقم الاستنكار لهذه العقائد مع نشره الطبعة الثانية للكتاب عام (1803) والتي ورد فيها “أن الرجل الذي ليس له من يُعيله والذي لا يستطيع أن يجد لنفسه عملاً في المجتمع، سيجد أن ليس له نصيب من الغذاء .. وأنه عضو زائد. وفي وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له..، فإن الطبيعة تأمره بمغادرة المكان، وهي لن تُقصّر بوضع أوامرها موضع التنفيذ” ، ولكن مالتوس عاد إلى شيء من الاعتدال في الطبعة الثالثة من كتابه، فحذف ما جاء عن وليمة الطبيعة، وطالب الفقراء بتحديد النسل الطوعي والتضحية بالامتناع عن الزواج بغية تحقيق التوازن بين عدد السكان والأرزاق، وحملهُم مسؤولية الكوارث التي يمكن أن تحل بالمجتمع من جراء مخالفة هذا المبدأ الجوهري. وفي هذا الإطار دعا مالتوس الدولة إلى عدم تقديم المساعدات للفقراء، ما دام ذلك يؤدي إلى زيادة أطفالهم، وألا تزيد الأجور كي لا يؤدي ذلك إلى نفس النتيجة، كما دعا الطبقة الغنية إلى عدم الإحسان إلى الفقراء، لأن ذلك يشجعهم على الزواج. والملفت ما قاله مالتوس في الذيل الطبعة الرابعة -والأخيرة- لكتابه بأن “الهدف العملي لمؤلفي هذا هو تحسين وضع الطبقات الفقيرة والبائسة وزيادة سعادتها”، متخذاً بذلك موقف المصلح الاجتماعي كما كان يتصور.

و المالتوسيون الجدد  الذين اعتنقوا آراءه وآمنوا بمخاوفه من ازدياد عدد السكان، أصروا من بعده على تحديد النسل بشتى الطرق والوسائل، ليس فقط قبل الزواج –حسب مالتوس- بل وبعد الزواج، بحجة الحرص على مستقبل البشرية، وردعاً للمآسي التي ستتعرض لها من جراء الزيادة المستمرة في السكان.    

المفهوم الكنزي وتدخل الدولة :

أسس هذا المفهوم  جون مينارد كينز ( 1883-1946): بعد أزمة الكساد الكبير عام (1929)، وتحت تأثير الأزمة الاقتصادية التي تبعته حتى بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، تضخّم جيش العاطلين عن العمل في البلدان الرأسمالية، وخاصة في إنجلترا. في ظل تلك الظروف، قدم كينز نظرية العمالة، وضع على أساسها برنامجاً لسياسة اقتصادية مضادة للأزمات لتطبقها الدولة البرجوازية، وقد جاءت هذه النظرية لتعالج أهم مشكلتين :البطالة وعدم كفاية الطلب الفعال. حيث يؤكد  كينز  أنه “يمكن أن تتحقق زيادة التشغيل من خلال تخفيض الأجور الحقيقية عن طريق رفع الأسعار. ويعتبر كينز أن نقص الطلب هو حقيقة واقعة، وأن البطالة والأزمات الاقتصادية ليست ظواهر عَرَضية، لذلك رأى أن العلاج يكون بتدخل الدولة بالاعتماد على سياسة استثمار عامة تضعها الحكومة للتعويض عن النقص في استثمارات القطاع الخاص، وتدخل الدولة هذا يجب أن يُفضي إلى حالة الاستخدام أو التشغيل الكامل.

الاقتصاد السياسي البروليتاري:

استمدت الماركسية قوة أفكارها وطروحاتها الواقعية العلمية من ضعف هذه الأفكار والطروحات الطوباوية النظرية، ودعمها في بناء نظرياتها الحركة العمالية التي من لبثت أن تحولت إلى قوة ضخمة. وإضافةً إلى هذا الوسط الثوري، وإلى الأفكار القيّمة التي طرحها الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الإنجليزي سميث وريكاردو ، فقد وجدت الماركسية غذائها في الوقائع الاقتصادية الرأسمالية في بريطانيا، وفي وسط فكري زاخر بالعلمية، مثل طروحات  رينان  في مؤلفه  مستقبل العالم  عام  1845  ونظرية  داروين  في  أصل الأنواع عام  1859 ، والتي تُعد بالنسبة لماركس الأساس البيولوجي لصراع الطبقات، كما كانت الفلسفة الجدلية الديالكتيكية لهيغل  ومادية  فوير باخ الأساس العلمي لمنهجه التحليلي.

اقتصاد السوق الاجتماعي:

ظهر مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي بُعيد الحرب العالمية الثانية في محاولة للتوفيق بين الفعاليات الاقتصادية التي يوفرها اقتصاد السوق الليبرالي –الحر- وبين الحاجة إلى العدالة الاجتماعية. ويعود أصله كمصطلح إلى عام  1948  لعضو الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني  لودفيغ إرهارد ، حيث ظهر هذا المصطلح في بيان حزبه  – الحزب الديمقراطي المسيحي – عام 1949  كشعار انتخابي. وقد تم إطلاق هذا الشعار على أنه نهج لـ”تطويق قوى السوق بإجراءات سياسية واجتماعية فعالة” للحد من النمو الذي يُقصي المبادئ الاجتماعية في التعاملات الاقتصادية، وذلك عن طريق خلق حالة تشاركية بين أرباب العمل والنقابات والأحزاب السياسية، وتتمثل مهمة الحكومة بهذا النهج في توجيه وخلق إطار ملائم لتنافس عادل يخدم مصالح جميع الشركاء والأطراف.

الخلفية الفلسفية وجميع التسميات والمناهج الاقتصادية ليست بعيدة عن نهج اقتصاد السوق الاجتماعي في  أنه “عقد اجتماعي جديد” بين قوى المجتمع: الدولة و قطاع الأعمال  و المجتمع الأهلي ، ويعني التوفيق ما بين الملكية الخاصة والعدالة الاجتماعية، ما بين حرية السوق وإطلاق المبادرات الفردية وتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية بما يضمن الضبط والتوجيه لمصلحة المجتمع.

وترتبط المفاهيم الاقتصادية عادة بالتطور السياسي والاجتماعي في البلدان والمجتمعات المختلفة وتستغرق وقتا طويلا حتى تتأصل مفهوما معروفا ومعترفا به في المجتمعات .

Author

  • محمد عبدالكريم يوسف

    محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط سابقا . كاتب في العديد من الصحف العربية والأمريكية باللغتين العربية والانكليزية ، رئيس دائرة التأهيل والتدريب في الشركة السورية لنقل النفط ، حاليا رئيس المركز السوري للتنمية المستدامة 2019 . مؤلف لأكثر من 35 كتابا "يأتي في طليعتها " معجم مصطلحات وقوانين الشحن البري البحري الجوي" و"قاموس المنتجات الصناعية ، وكتاب " الصياغة القانونية للعقود  التجارية في القطاع العام والخاص والمشترك باللغتين العربية والانكليزية
محمد عبدالكريم يوسف

محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط سابقا . كاتب في العديد من الصحف العربية والأمريكية باللغتين العربية والانكليزية ، رئيس دائرة التأهيل والتدريب في الشركة السورية لنقل النفط ، حاليا رئيس المركز السوري للتنمية المستدامة 2019 . مؤلف لأكثر من 35 كتابا “يأتي في طليعتها ” معجم مصطلحات وقوانين الشحن البري البحري الجوي” و”قاموس المنتجات الصناعية ، وكتاب ” الصياغة القانونية للعقود  التجارية في القطاع العام والخاص والمشترك باللغتين العربية والانكليزية

عن محمد عبدالكريم يوسف

محمد عبدالكريم يوسف
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط سابقا . كاتب في العديد من الصحف العربية والأمريكية باللغتين العربية والانكليزية ، رئيس دائرة التأهيل والتدريب في الشركة السورية لنقل النفط ، حاليا رئيس المركز السوري للتنمية المستدامة 2019 . مؤلف لأكثر من 35 كتابا "يأتي في طليعتها " معجم مصطلحات وقوانين الشحن البري البحري الجوي" و"قاموس المنتجات الصناعية ، وكتاب " الصياغة القانونية للعقود  التجارية في القطاع العام والخاص والمشترك باللغتين العربية والانكليزية

شاهد أيضاً

كفاح محمود كريم

لا أغلبية حاكمة في العراق!

لا أغلبية حاكمة في العراق! مقال : كفاح محمود كريم   يذهب البعض من الكتل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *