سعيد أبو السعود.. مهندس فلسطيني ترك أميركا وعاد إلى البندقية

موقع بصراوي / قصص وشخصيات / فريق التحرير
في بيتٍ فلسطيني قديم في بلدة دير دبوان، لا تبدو الجدران مجرد حجارة صامتة. هناك، تتحول الصور والخرائط والوجوه العائلية إلى أرشيف حيّ. وبينها يجلس الحاج سعيد أبو السعود، الرجل الذي عبر قرنًا من التحولات الكبرى، لا كمتفرج على التاريخ، بل كواحد من الذين حملوه على أكتافهم.
عمره اليوم 103 أعوام، لكن ذاكرته لا تزال تقاوم النسيان كما قاوم هو انكسارات السياسة والحرب والمنفى والخذلان. في ملامحه شيء من زمنٍ بعيد؛ زمن كانت فيه فلسطين قرى وحقولًا وطرقًا مفتوحة، قبل أن تتحول إلى خرائط ممزقة وذكريات معلقة في صدور أبنائها.
طفولة في فلسطين قبل العاصفة
ولد سعيد أبو السعود عام 1923، في مرحلة كانت فلسطين تعيش تحت الانتداب البريطاني، وتتشكل فيها ملامح الصراع الذي سيغيّر مصير المنطقة كلها. كبر الفتى الفلسطيني وهو يرى الأرض لا بوصفها مساحة جغرافية فقط، بل بيتًا وذاكرة وهوية ومسؤولية.
منذ شبابه، بدا سعيد مختلفًا. لم يكن مجرد شاب عادي في قرية فلسطينية، بل عقلًا رياضيًا لافتًا، مولعًا بالدقة والنظام والحساب. تفوقه في الرياضيات فتح له طريقًا نادرًا في ذلك الزمن: الدراسة في الولايات المتحدة.

طالب هندسة في أميركا
سافر سعيد أبو السعود إلى سان فرانسيسكو، والتحق بـ Heald College لدراسة الهندسة. هناك بدت أمامه حياة أخرى ممكنة؛ شهادة مرموقة، مستقبل مهني واسع، وربما استقرار بعيد عن اضطرابات الشرق.
كان يمكن للطالب الفلسطيني أن يواصل دراسته، وأن يبني حياته بعيدًا عن الصراع. لكن عام 1948 لم يكن عامًا عاديًا في حياة الفلسطينيين. كان العام الذي انكسر فيه العالم القديم، وبدأت النكبة.

عام 1948.. حين اختار الوطن على المستقبل الشخصي
وصلت أخبار فلسطين إلى الطالب الشاب في أميركا، ولم تكن بالنسبة إليه أخبارًا بعيدة. كانت صرخة بيت، ونداء أرض، وامتحانًا أخلاقيًا لا يحتمل التأجيل.
في تلك اللحظة، لم يفكر سعيد أبو السعود كما يفكر طالب هندسة يبحث عن مستقبله الفردي. وضع حلمه الأكاديمي جانبًا، وقطع دراسته، وعاد إلى فلسطين.
ترك مقاعد الدراسة في الولايات المتحدة، واختار أن يكون حيث يعتقد أن مكانه الحقيقي يجب أن يكون: بين أبناء وطنه المدافعين عن الأرض.

من مقاعد الدراسة إلى صفوف المقاومة
لم تكن العودة قرارًا رمزيًا. عاد سعيد أبو السعود إلى واقع مشتعل، إلى قرى مهددة، ومدن محاصرة، ومجتمع يحاول أن يدافع عن وجوده في لحظة تاريخية قاسية.
انخرط في صفوف المدافعين عن الأرض، وشارك في معركة البيرة، ثم واصل طريقًا طويلًا من العمل الوطني والعسكري، حتى عُرف لاحقًا بلقب “عميد”.
في سيرته، تتداخل حكاية الطالب، والمقاتل، والباحث، والشاهد. فهو لم يكن يرى الدفاع عن فلسطين فعلًا عسكريًا فقط، بل كان يؤمن أن المعركة الحقيقية تشمل الذاكرة والرواية والتوثيق.
حين تصبح الذاكرة مقاومة
لم تتوقف قصة سعيد أبو السعود عند البندقية. فمع مرور السنوات، أدرك أن من أخطر ما يواجه الفلسطينيين ليس فقدان الأرض وحده، بل محاولة محو الرواية أيضًا.
لذلك حمل قلمه كما حمل موقفه، واشتغل على توثيق الأسماء والتجارب والمسارات. ومن هنا جاءت مساهمته البحثية المهمة في تأليف “الموسوعة التاريخية لقادة الثورات والثوار والفصائل الفلسطينية”، وهي محاولة لحفظ تاريخ طويل من الشخصيات والفصائل والمحطات التي صنعت جزءًا من الوعي الوطني الفلسطيني.
كان يريد أن يقول للأجيال الجديدة إن التاريخ لا يُورث شفهيًا فقط، بل يجب أن يُوثق حتى لا تبتلعه النسيانات المتعمدة.
بيت يتحول إلى أرشيف حي
في بيت الحاج سعيد أبو السعود، لا تبدو خرائط فلسطين القديمة زينة على الجدار. إنها شهادة. كل خط فيها يستعيد قرية، وكل اسم يفتح بابًا على حكاية، وكل مدينة فيها ليست نقطة على ورق بل جزءًا من قلبه.
ومن حوله تمتد عائلته الكبيرة؛ أبناء وأحفاد وذاكرة عائلية تحاول أن تبقي الحكاية متصلة بين جيل وآخر. فالرجل الذي عاش النكبة، لا يرويها كخبر قديم، بل كجرح مفتوح وحق لا يسقط بالتقادم.
فلسطين في ذاكرة رجل لم ينكسر
ما يميز الحاج سعيد أبو السعود أنه لا يتحدث بمرارة رجل هزمه العمر، بل بحكمة رجل يعرف أن القضايا الكبيرة لا تقاس بعمر الإنسان الواحد.
بالنسبة إليه، فلسطين ليست ذكرى قديمة، ولا ملفًا سياسيًا قابلًا للإغلاق، بل حق لا يموت بتقادم السنين. فهو يرى أن الفلسطيني لا يمكن أن يتخلى عن أرضه مهما طال الزمن، وأن الاستقرار الحقيقي في المنطقة لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة في فلسطين.
هذه ليست عبارة سياسية عابرة، بل خلاصة قرن كامل من المعايشة والتجربة والخسارات والانتظار.
قصة رجل تختصر سيرة شعب
قصة سعيد أبو السعود تحمل مفارقة مؤلمة وجميلة في آن واحد: شاب فلسطيني كان يستطيع أن يبقى في أميركا، أن يكمل دراسته، وأن يصبح مهندسًا ناجحًا بعيدًا عن الخطر، لكنه اختار العودة في أكثر لحظات بلاده قسوة.
لم يعد لأنه كان يملك ضمانة للنصر، بل لأنه كان يملك يقينًا بأن الغياب في لحظة كهذه خيانة للذات قبل أن يكون تخليًا عن الوطن.
وبعد أكثر من سبعة عقود على نكبة 1948، يبقى الرجل شاهدًا على ما حدث، وعلى ما لم ينتهِ. شاهدًا على قرى هجّرت، ومدن تغيرت، وأجيال ولدت بعيدًا عن بيوتها، لكنه أيضًا شاهد على أن الذاكرة الفلسطينية لم تنكسر.
الخلاصة
سعيد أبو السعود ليس مجرد معمر فلسطيني بلغ 103 أعوام. إنه رجل تختصر سيرته سؤالًا أكبر: ماذا يفعل الإنسان حين يضعه التاريخ أمام خيارين، مستقبله الفردي أو مصير وطنه؟
هو اختار الوطن.
ولهذا، لا تُقرأ حكايته كقصة رجل واحد، بل كجزء من السيرة الفلسطينية الطويلة؛ سيرة شعب خسر كثيرًا، لكنه لم يمنح العالم حق نسيانه.



