اقتصاد

الدول الفقيرة تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة بسبب انكماش المساعدات الدولية

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر

تستعد الدول النامية لمواجهة أزمة جديدة في التمويل التنموي، حيث تشير التوقعات إلى أن المساعدات الإنمائية الرسمية ستسجل تراجعاً للعام الثالث على التوالي في عام 2026، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد. وتأتي هذه المعطيات في وقت تعاني فيه الأنظمة الصحية الهشة والبلدان الفقيرة من ضغوط متزايدة تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي.

وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، من المتوقع أن ينخفض صافي المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 6.9% في 2026، بعد انخفاض قياسي بلغ 23.3% في 2025 و8.5% في 2024. هذا الانخفاض سيؤدي إلى تقليص قيمة المساعدات إلى نحو 152 مليار دولار، وهو ما يعادل 0.23% فقط من الناتج القومي الإجمالي للدول المانحة. وتعد هذه الحالة الثانية في التاريخ التي تتراجع فيها المساعدات الدولية لثلاث سنوات متتالية، بعد الفترة التي تلت انتهاء الحرب الباردة بين عامي 1992 و1995.

تتعلق أسباب هذا التراجع بزيادة الضغوط المالية، وارتفاع الإنفاق الدفاعي والأمني، بالإضافة إلى تحول الأولويات نحو القضايا الداخلية في الدول المانحة، بينما تستمر الاحتياجات الإنسانية والتنموية في النمو.

بالنسبة للدول الأقل نمواً، فإنها ستكون الأكثر تضرراً من هذا التراجع، حيث يتوقع أن تنخفض المساعدات الثنائية الموجهة إليها بنسبة 10.9% و11.6% على التوالي في عام 2026، وهو ما سيجعلها تواجه أدنى مستويات المساعدات منذ بداية الألفية. تعتمد العديد من هذه الدول على عدد محدود من المانحين، مما يزيد من تعرضها للصدمات المالية في حال تغيير أو تقليص المساعدات.

تتوقع المنظمة أيضاً أن المساعدات متعددة الأطراف لن تتمكن من تعويض الفجوة، حيث من المتوقع أن تتراجع بنسبة 3.4% في العام المقبل.

تفاقم أزمة الشرق الأوسط من هذه الضغوط، حيث أدت إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مما أثر سلباً على آفاق النمو في العديد من الاقتصادات النامية. وفي حال استمرار الأزمة وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، قد ينضم نحو 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، خاصة في الدول المستوردة للغذاء والطاقة مثل السودان والصومال.

القطاع الصحي سيكون من أبرز المتضررين من هذه التوجهات، حيث من المتوقع أن تنخفض المساعدات المخصصة للصحة بين 29% و46% خلال الفترة من 2024 إلى 2026، مما يعني فقدان ما بين 5 و8 مليارات دولار من التمويل الصحي. ستكون برامج الصحة الإنجابية ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسياً الأكثر تأثراً، مع توقع تراجع التمويل بنحو 54%.

كما يُتوقع أن تتراجع المساعدات لمكافحة الملاريا بنسبة 60%، والسل بنسبة 57%، والأمراض المعدية الأخرى بأكثر من 40%. في الوقت نفسه، تواجه دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا تفشياً نشطاً لفيروس إيبولا، مما يزيد من المخاطر على قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة للأزمات.

الضغوط لا تقتصر على القطاع الصحي، حيث من المتوقع أن تنخفض المساعدات الإنسانية بنسبة 40.3%، فضلاً عن تراجع تمويل الحوكمة والمجتمع المدني بنحو 39.8%. ومن المتوقع أيضاً أن تتقلص المساعدات الغذائية بنسبة 44.5% والتعليم بنسبة 22.2%.

الدعم المتعدد الأطراف، الذي شهد نمواً على مدى عقود، يدخل الآن مرحلة انكماش، حيث من المتوقع أن يتراجع بنسبة 12.7% في 2025، مع توقعات بمزيد من الانخفاض في 2026. تشير التقديرات إلى أن التمويل الموجه لمؤسسات الأمم المتحدة سيبقى أقل بنحو 18% بحلول 2028 مقارنة بمستواه في 2016.

لا تعكس هذه الأرقام مجرد تراجع في الإنفاق التنموي، بل تشير إلى تحول أوسع في أولويات الاقتصاد السياسي العالمي، حيث يبدو أن المساعدات الخارجية أصبحت أقل أولوية في ظل تنامي الإنفاق العسكري والضغوط المالية المحلية. ومع تراجع المساعدات، تواجه الدول منخفضة الدخل تهديدات خطيرة تتعلق بالخدمات الصحية والتعليمية، مما يزيد من مخاطر الفقر وعدم الاستقرار.

d8a7d984d8afd988d984 d8a7d984d981d982d98ad8b1d8a9 d8aad988d8a7d8acd987 d8a3d8b2d985d8a9 d8aad985d988d98ad984 d8bad98ad8b1 d985d8b3d8a8 1

العطلة القادمة في العراق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى