مقالات بصراوي

سرداب الموت … القناع والسرداب: عندما يصنع الخوف شيطاناً!

كانت “الحاجة آمنة” تبدو لزائريها وأهل القرية كقديسة هبطت من السماء؛ بوجهها المستدير الصافي، وثوبها الأبيض الناصع، وابتسامتها التي لا تفارق شفتيها.

لكن خلف تلك الملامح الهادئة كان يقبع شر كامن. يكفي أن ينظر المرء بتمعن في عينيها لثوانٍ معدودة، ليلمح وميضاً خاطفاً أشبه بنار جهنم، وميضاً يتدفق بالقسوة والحقد.

لم تكن آمنة تلطخ يديها بتلك الطقوس التي تقوم بها، بل كان لها تابع يدعى “عمران”، شاب انكسر ظهره تحت وطأة الحاجة والجهل، فصار الذراع المنفذة لكل آثامها.

وفي الغرفة السرية خلف بيتها الطيني، كان يقبع ذلك “الكتاب الملعون”، كتاب جلدي ضخم يحتوي على أسماء جميع أهل القرية، وبجانب كل اسم خصلة شعر جُمعت بغدر، ومربوطة بعقد سحرية سوداء.

كلما حاول عمران التراجع أو تملك الخوف من قلبه، كانت آمنة تهمس له بصوتها الرخيم الذي يحمل موتاً خفياً:

“إن تراجعت خطوة واحدة يا عمران فسأطلق عليك خادمي من الجان. لن يقتلك وحدك، بل سيجعل أطفالك وزوجتك يأكلون لحم بعضهم قبل أن يحصدهم الموت أمام عينيك!”

عاش عمران سنوات في هذا الرعب، ينفذ طقوس التفرقة والمرض والموت لأهل قريته، ظناً منه أن هذه العجوز تملك جيشاً من الشياطين تحت إمرتها.

الليلة الموعودة.. وسقوط القناع

في ليلة كان الصمت فيها ثقيلاً، من ذلك النوع الذي يسبق الكوارث، كانت رائحة البخور الرخيص ومسحوق الجماجم تجعل التنفس عبئاً. جلست الحاجة آمنة متربعة كصنم وثني قديم.

وقفت واقتربت من عمران بمودة، لتلمع عيناها فجأة بذلك الوميض الأصفر الخاطف، وميض ذئب يتربص بفريسته في الظلام، وقالت بصوت ناعم كفحيح الأفعى:

“الطفل الصغير.. ابن الحلاق يا عمران. أريد خصلة من شعره قبل الفجر. الكتاب جائع، والأسماء تطالب بحقها.”

ارتجف عمران وتراجع خطوة إلى الوراء، وشعر ببرودة تخترق قدميه الحافيتين، وقال بصوت متحشرج:

“إلا الأطفال يا حاجة.. لقد نفذت كل ما طلبتِ مني. فرقت بين المرء وزوجه، وأمرضت الماشية، وسرقت أكفان الموتى.. لكن قتل طفل؟! لن أفعل. لعنة الله على هذا الكتاب الملعون وعلى من صنعه.”

ابتسمت آمنة ابتسامة صفراء تبشر بالموت، واقتربت أكثر حتى لامست أنفاسها الباردة وجهه:

“اللعنة؟! أنت غارق فيها حتى أذنيك يا عمران، فلا تمثل دور القديسين الآن. أنت مجرد أداة أحركها بإصبعي الصغير.”

هتف عمران، لعل صوته يطرد الرعب القابع داخل صدره:

“أنا إنسان!”

فضحكت ضحكة جافة كأوراق الشجر الميتة:

“كنت إنساناً قبل أن تطأ قدمك هذا البيت. إن تراجعت خطوة واحدة فسأرفع حمايتي عنك. خادمي الجالس في زاوية الغرفة ينتظر إشارة مني لينزل إلى بيتك، ويجعل زوجتك تتوهم أن أطفالك ذئاب فتمزق لحمهم بالسكاكين، ثم يتركك تأكل لحمهم وتبكي دماً حتى تُجن!”

المفاجأة غير المتوقعة!

كانت العبارات تسقط على عقله كالسياط، شلت حركته لسنوات. تراجع وعيناه متسعتان من الرعب يرقب الظلال المتحركة على الجدران.

لكن في تلك اللحظة بالذات، حدث شيء لم يحسب له الشيطان حساباً.

تحركت آمنة لتمسك بالكتاب الملعون، فتعثرت بطرف ثوبها الأبيض الناصع، وسقطت بجسدها الهزيل على الأرض. سقطت من جيبها السري تميمة فخارية مكسورة وصاجات نحاسية صغيرة تستخدمها لإصدار الأصوات الخادعة.

حاولت العجوز النهوض بسرعة بذعر وأنفاس متلاحقة، وفجأة بدا وجهها عادياً جداً. اختفى ذلك الوميض المرعب من عينيها ليحل محله ذعر بشري خالص.

حدق عمران في عينيها. في ثانية واحدة انقشع الضباب عن عقله؛ لقد كانت مجرد عجوز دجالة تعتمد على الخدع البصرية والترهيب النفسي. لم يكن هناك خادم من الجان، بل كان هو بضعفه وخوفه الخادم الوحيد والشرير الحقيقي الذي صنع أسطورتها.

ساد صمت طويل، كسرته نبضات قلب عمران التي تحولت من الخوف إلى الإدراك، وقال بصوت منخفض ممتلئ بنبرة ساخرة ومرعبة في آن واحد:

“لا يوجد جان.. أليس كذلك؟”

لم تجب، بل كانت تحاول جمع شتات نفسها بعد أن سقط القناع.

تابع عمران النظر إليها وابتسامة غريبة تولد على شفتيه:

“كل هذه السنوات.. الصوت في الظلام.. والوميض في عينيك.. كله كان مجرد ألعاب بهلوانية؟! خدع بصرية لتخويف مغفل مثلي؟ أنا كنت الخادم الوحيد في هذا البيت، وأنا من كنت أصنع هذا السحر بجهلي!”

حاولت أن تنطق بصوت مشروخ لعجوز توشك على الهلاك:

“عمران.. اسمعني..”

لكنه انقض عليها كالنمر، والتفت يده حول عنقها ليقطع عنها الكلمات والنفس:

“الآن يا حاجة.. حان الوقت لنرى إن كان خادمك العزيز سيأتي لإنقاذ جثتك في هذا السرداب الملعون!”

ولادة الشيطان الجديد

انفجرت سنوات من الكبت والخوف والذل في عروق عمران. تحولت ملامحه إلى وحش كاسر، وسحبها من شعرها الأبيض إلى سرداب المنزل السفلي، حيث لا يصل ضوء النهار.

ألقى بجسدها الهزيل على الأرض الباردة، والتمعت عيناه بجنون خالص وهو يخرج سكينه الصدئة. لم يتردد لثانية واحدة، وغرس النصل في عنقها بحركة واحدة سريعة، وذبحها لتتدفق دماؤها الفاسدة معلنة موت “الحاجة آمنة” الدجالة، وولادة شيطان جديد.

لم يكتف بالقتل، بل بدأ يمثل بجثتها بدافع الانتقام والجنون الذي تملك عقله، محولاً إياها إلى أشلاء مشوهة، ثم بدأ الطقس الأخير.

غمس أصابعه في دمائها الدافئة، وأخذ يرسم على الأرض دائرة ضخمة تحيط بأشلائها، وبخطوط متعرجة نقش طلاسم سوداء كان قد حفظها من كتابها الملعون. ثم أخرج حزمة من الشموع السوداء وأشعلها، فارتفعت ألسنة لهب زرقاء باهتة تفوح منها رائحة كبريتية خانقة.

وقف عمران في مركز الظلام، يمسك بيديه “الكتاب الملعون”، وبدأ يتلو الطلاسم بصوت جهوري ملقياً بخصلات شعر أهل القرية في النار لتلتهمها. لم يكن يمارس السحر لخدمتها، بل كان يقيم طقساً أسود لحبس روحها الشريرة داخل تلك الدائرة إلى الأبد، ليتأكد أن هذه العجوز لن تخرج من هذا القبر أبداً.

مع انطفاء الشمعة الأخيرة، ساد صمت مطبق، وبقي عمران وحده في الظلام الدامس، يتنفس الصعداء وسط أشلاء ضحيته، شاهداً على أنه لم يعد الخادم بعد الآن، بل أصبح هو “سيد السرداب الجديد”.

النهاية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى