اقتصاد

جفاف أنهار أوروبا يعيق حركة الشحن ويهدد إمدادات الكهرباء والغذاء

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر

في ميناء كورابيا الروماني، تتجلى آثار أزمة المناخ بوضوح، حيث تعاني المراكب من التوقف، وتخلو الأرصفة من السياح، وتظهر تكتلات رملية تعيق حركة السفن. يشهد نهر الدانوب، الذي يعد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة والزراعة في أوروبا، مستويات مائية غير مسبوقة، ما يؤثر سلباً على قدرته في نقل السفن وتبريد المفاعلات وري الحقول.

يمتد نهر الدانوب على مسافة 2850 كيلومتراً، عابراً أو محاذياً لعشر دول أوروبية. ومع استمرار شح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، انخفض منسوب النهر إلى أدنى مستوى له في ثلاثة عقود في بعض المناطق، بينما سجل مستوى قياسياً منخفضاً في العاصمة المجرية بودابست. في ميناء كورابيا، باتت المياه ضحلة بشكل يمنع المراكب من الإبحار منذ أسبوعين، حيث أشار صياد محلي إلى أن النهر كان يسمح بالسباحة العام الماضي، بينما أصبح بالإمكان عبوره سيراً على الأقدام هذا العام.

تواجه قوارب الصيد في الضفة البلغارية صعوبات كبيرة، مما أدى إلى إيقاف رحلات العبارات في موقعين بين بلغاريا ورومانيا. تفاقمت الأزمة بعد أن أُجلي 186 راكباً من سفينة سياحية جنحت قرب مدينة فيدين البلغارية، ما زاد من مخاوف السلامة.

في ظل هذه الظروف، انخفض مستوى المياه في بعض مقاطع النهر بمقدار متر واحد عن الحد الأدنى المسموح به للملاحة، مما دفع السلطات إلى تكثيف جهود جرف الرمال للحفاظ على قناة ضيقة صالحة للمرور.

يرى خبراء الاقتصاد أن الجفاف يؤثر بشكل كبير على العمليات التجارية، حيث يتعين على السفن تخفيف حمولتها لتجنب الغاطس الزائد، مما يعني الحاجة لعدد أكبر من الرحلات لنقل نفس الكمية، أو تحويل الشحنات إلى وسائل النقل الأكثر تكلفة مثل السكك الحديدية والشاحنات. في سلوفاكيا وبلغاريا، لم تعد السفن قادرة على العمل بكامل طاقتها، مما أدى إلى إبطاء حركة الشحن.

تظهر تداعيات هذه الأزمة بشكل واضح في صربيا، حيث استقبلت البلاد نحو 25% فقط من واردات الوقود المقررة عبر النهر خلال يوليو الماضي. تتسبب هذه الاختناقات في زيادة تكاليف النقل، مما يؤثر على أسعار المواد الغذائية والطاقة.

تتأثر كذلك منظومة الطاقة بشكل كبير، حيث تحتاج المحطات النووية إلى كميات كبيرة من المياه لتبريد المفاعلات، بينما تعتمد محطات الطاقة الكهرومائية على تدفقات مستقرة لتشغيل التوربينات. أدى انخفاض تدفق نهر الدانوب عند الحدود الرومانية إلى تقليص إنتاجية محطة تشيرنافودا النووية، التي توفر حوالي 20% من احتياجات الكهرباء في البلاد.

تتراجع إيرادات السياحة النهرية بالتوازي مع الشحن، حيث شهدت حجوزات الشركات السياحية انخفاضاً بنحو 18% خلال يوليو بسبب الإلغاءات. وفي الوقت نفسه، يواجه الصيادون تحديات إضافية نتيجة انحسار موائل الأسماك وارتفاع درجات حرارة المياه.

في جنوب شرق رومانيا، فرضت السلطات قيوداً على الري، مما يزيد من الضغوط على المزارعين في واحدة من أكبر الدول المنتجة للحبوب في الاتحاد الأوروبي. وقد أظهرت تحليلات أن أزمة الجفاف الحالية ليست مجرد نتيجة لسنة سيئة في الأمطار، بل هي نتيجة للاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية.

تتزايد المخاوف من أن أزمة المناخ قد تتحول إلى تضخم اقتصادي، حيث تتداخل العديد من الصدمات الاقتصادية في وقت واحد، مما يجعل من الضروري على أوروبا الاستثمار في تحسين البنية التحتية للنقل وتطوير وسائل جديدة لتبريد محطات الكهرباء. إن استمرار انخفاض مستوى نهر الدانوب يمثل تهديداً حقيقياً لسلاسل الإمداد، مما يؤثر على كل شيء من حقول الحبوب إلى شبكات الكهرباء والمصانع في وسط أوروبا.

d8acd981d8a7d981 d8a3d986d987d8a7d8b1 d8a3d988d8b1d988d8a8d8a7 d98ad8b9d98ad982 d8add8b1d983d8a9 d8a7d984d8b4d8add986 d988d98ad987d8af 1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى