Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

قصة مثيرة من ذاكرة العراق تجمع بين الحب والجاسوسية وعملية الماس، من روايات روان وعزرا إلى هروب طائرة MiG-21 العراقية عام 1966.
موقع بصراوي / مقالات/
في ذاكرة الحكايات السياسية والأمنية في العراق، تبرز قصة غامضة تتداخل فيها روايات الحب والخديعة والجاسوسية مع واحدة من أشهر العمليات الاستخباراتية في الشرق الأوسط: عملية الحصول على طائرة MiG-21 العراقية.
هذه القصة، كما يتداولها كثيرون، تبدأ من رجل يهودي عراقي يُدعى عزرا ناجي زلخة، وتنتهي عند شبكة اتُّهمت بالتجسس، وإعدامات علنية شهدتها بغداد عام 1969. وبين البداية والنهاية، تظهر شخصية روان بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في هذه الرواية.
تقول الروايات المتداولة إن عزرا ناجي زلخة وُلد في الموصل عام 1927، ثم عمل لاحقًا موظفًا في وزارة التجارة ببغداد. تزوج من معلمة يهودية تُدعى ملاذ، لكنها توفيت بعد فترة قصيرة بسبب المرض، فدخل عزرا في حالة نفسية صعبة جعلته أكثر قابلية للتأثر بمن يقترب منه.
في تلك المرحلة، تعرّف على تاجر كبير في السن يُعرف باسم بوشاط، وتذكر الرواية أنه كان يعمل ضمن شبكة سرية مرتبطة بتهريب اليهود من العراق إلى إسرائيل، عبر مسارات معقدة كانت تمر أحيانًا من الشمال أو عبر إيران.
بحسب القصة المتداولة، دعا بوشاط عزرا إلى بيته، وهناك شاهد ابنته روان. وقع عزرا في حبها سريعًا وطلب الزواج منها، لكن والدها اشترط مهرًا كبيرًا لم يكن عزرا قادرًا على دفعه.
هنا تحوّل المهر من مال إلى خدمة. وتقول الرواية إن بوشاط عرض على عزرا أن يعمل معه في تهريب اليهود إلى إسرائيل مقابل الموافقة على الزواج من روان.
وافق عزرا، وبدأ نشاطه بإقناع عائلات يهودية بالهجرة. ثم توسع الدور تدريجيًا، حتى أصبح جزءًا من شبكة أوسع تتحرك بصمت داخل العراق.
بعد الزواج، دخل عزرا في تفاصيل العمل السري، وتذكر بعض الروايات أنه تلقى تدريبات على استخدام اللاسلكي والشفرات، وحصل على أجهزة اتصال متطورة. وبعد وفاة بوشاط، أصبح عزرا الواجهة الأهم للشبكة داخل العراق.
أما روان، فتقول الروايات إنها دخلت العمل لاحقًا بعد استغلال معاناتها النفسية بسبب عدم الإنجاب، ليتم تقديمها كعنصر قادر على اختراق بعض الشخصيات عبر العلاقات العاطفية.
وتنسب الروايات إلى روان دورًا في استدراج موظفين وضباط للحصول على معلومات عن ملفات سياسية وحركة الطيران والرحلات الخاصة داخل العراق، وهي تفاصيل بقي كثير منها في مساحة الرواية الشعبية غير الموثقة بالكامل.
بعيدًا عن التفاصيل المتداولة حول روان، يبقى الجزء الأكثر توثيقًا في هذه الحكاية مرتبطًا بعملية “الماس” أو Operation Diamond، وهي العملية التي انتهت في 16 آب 1966 عندما هرب الطيار العراقي منير روفا بطائرة MiG-21 عراقية إلى إسرائيل.
في ذلك الوقت، كانت طائرة MiG-21 السوفيتية من أحدث المقاتلات في المنطقة، وكانت تمتلكها دول عربية مثل العراق ومصر وسوريا. لذلك شكّلت الطائرة هدفًا استخباراتيًا كبيرًا لإسرائيل والولايات المتحدة، لأن الحصول عليها كاملة يعني دراستها عمليًا ومعرفة نقاط قوتها وضعفها.
وبعد وصول الطائرة، تم اختبارها لاحقًا في الولايات المتحدة ضمن مشروع عُرف باسم Have Doughnut، حيث خضعت الطائرة لتقييم عسكري مفصل في قاعدة Groom Lake بولاية نيفادا.
كان منير روفا ضابطًا في القوة الجوية العراقية، وتذكر المصادر الأجنبية أن عملية تجنيده اعتمدت على استغلال شعوره بالتهميش، مع وعود مالية وحياة جديدة وتأمين خروج عائلته من العراق قبل التنفيذ.
في يوم التنفيذ، أقلع روفا بطائرته من قاعدة الرشيد الجوية، ثم غيّر مساره باتجاه إسرائيل. وعند اقترابه من الأجواء الإسرائيلية، رافقته مقاتلات Mirage III حتى هبط في قاعدة حتسور الجوية، لتصبح الطائرة العراقية واحدة من أهم الغنائم الاستخباراتية في تلك المرحلة.
بعد سنوات من العمل السري، تذكر الرواية أن عزرا بدأ يشعر بالخوف بعد تصفية بعض العملاء المرتبطين بعمليات فاشلة، فزاد من استخدامه للرسائل اللاسلكية، ما لفت انتباه الأجهزة الأمنية العراقية.
وبحسب الرواية المتداولة، تم تتبع الإشارات والقبض على عزرا وروان، ثم كُشفت أسماء مرتبطة بالشبكة داخل مؤسسات مختلفة.
وفي 27 كانون الثاني 1969، شهدت بغداد إعدام 14 شخصًا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، بينهم تسعة يهود واثنان مسيحيان وثلاثة مسلمون، في حادثة بقيت من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث.
القصة كما يعرفها الناس تجمع بين وقائع موثقة وروايات متداولة. الثابت تاريخيًا أن عملية الماس حدثت، وأن منير روفا هرب بطائرة MiG-21 عراقية، وأن بغداد شهدت إعدامات عام 1969 بتهمة التجسس.
أما تفاصيل روان وعزرا، والعلاقات السرية، وبعض حوادث القتل والابتزاز، فهي أجزاء تحتاج إلى التعامل معها بحذر، لأنها موجودة في الذاكرة الشعبية والروايات المتداولة أكثر من وجودها في الوثائق الرسمية المتاحة للجمهور.
ومع ذلك، تبقى هذه الحكاية واحدة من أكثر القصص التي تكشف كيف تعمل الاستخبارات: لا تبحث دائمًا عن القوة، بل عن نقطة ضعف صغيرة داخل إنسان وحيد، غاضب، خائف، أو يشعر بأنه لم يأخذ حقه.
ولذلك فإن قصة روان وعزرا وMiG-21 ليست مجرد حكاية تجسس، بل درس طويل عن الحب حين يتحول إلى باب للخطر، وعن الدولة حين تكون أسرارها هدفًا في زمن الحرب الباردة.