النزعة الإنسانية(الأنسنة) الجذور و المنطلقات

النزعة الإنسانية(الأنسنة) الجذور و المنطلقات
النزعة الإنسانية(الأنسنة) الجذور و المنطلقات
عماد الدين إبراهيم عبد الرازق الأربعاء 29 يوليو 2020 - 14:22

النزعة الإنسانية(الأنسنة) الجذور و المنطلقات

الدكتور عماد عبد الرازق-أكاديمي مصري

تمثل النزعة الإنسانية (الأنسنة) اتجاه فكري عام تشترك فيه العديد من المذاهب الفلسفية و الأدبية و الأخلاقية و العلمية . و لقد ظهرت هذه النزعة بوضوح و اكتمل نضجها الفكري في عصر النهضة . كما أنها تمثل مذهب فلسفي أدبي مادي لا ديني يوكد علي فردية الإنسان مقابل الدين و يغلب و جهة النظر المادية الدنيوية. كما أنها تمثل أيضا تيار ثقافي ازدهر في أوروبا و ينظر إلي العالم بالتركيز علي أهمية الإنسان و مكانته في الكون. و تعود جذور النزعة الإنسانية إلي الفكر الفلسفي اليوناني القديم ، فإذا رجعنا إلي تلك البدايات نجد أن (طاليس) و (اكسينوفان)  كانا أول الإنسانيين اليونانيين. كذلك يوجد (بروتاجوراس) أحد السفسطائيين و الذي أكد في مقولته الشهيرة أن (الإنسان هو مقياس الأشياء) . و لقد تطورت تلك النزعة و بلغت أوج نضجها الفكري في عصر النهضة ، وركزت علي الإنسان و تحريره من ربقة وأغلال و قيود العصور الوسطى، و سيطرة الكنيسة، و الانطلاق بالإنسان إلي أفاق رحبة ، ومن خلال تلك الأفاق تنطلق قدراته و إبداعاته و عقله. لان النزعة الإنسانية ليست نسق فلسفي جامد محدد ، و لا هي تعاليم مغلقة علي نفسها ، بل هي حوار دائم شهد و جهات نظر مختلفة و لا يزال . و مع ذلك تظل النزعة الإنسانية تعبيرًا عن وجهة نظر شخصية ، مركزها و نقطة انطلاقها الإنسان. أما إذا رجعنا إلي الأصل اللغوي و نشأة مصطلح ( الإنسانية) (Humanism) نجد أن معاني هذا المصطلح قد تعددت و تنوعت، وتشير البدايات الأولي لنشأة هذا المصطلح إلي أن أول من استخدمه هو المؤرخ الألماني و عالم اللغة (جورج فويت) عام 1856و ذلك لوصف الحركة التي ازدهرت لإحياء التعليم الكلاسيكي أثناء فترة عصر النهضة في أوروبا ، و ذلك من اجل إحياء التعاليم الكلاسيكية في النهضة الأوروبية. و يجب أن نشير إلي أن كلمة إنساني(Humanist) مشتقة من المصطلح الايطالي )   Umonist) في القرن الخامس عشر و يعني المعلم ، أو الباحث العلمي في الأدب اليوناني ، ثم من خلال الثورة الفرنسية و بعدها بقليل في ألمانيا بفضل الهيجليين اليساريين بدا مصطلح الإنسانية يشير إلي الفلسفات و الأخلاق التي ترتبط بالإنسان ذو الاهتمام بأية مفاهيم إلهية ، ومع بداية الحركة الأخلاقية في ثلاثينات القرن العشرين أصبح مصطلح (الإنسانية) مرتبط بنحو متزايد مع الفلسفة الطبيعية ، و مع العلمانية. و الجذور العميقة لمصطلح ( الهيومانزم) تعود إلي اليونان القديمة من خلال عبارة أو لفظة (Paella Enkiklio) التي تشير إلي التعليم المتوازن. و قد أخذت فكرة التعليم هذه طريقها إلي الرومان ، وكان التمكن من فنون الخطابة هو السبيل إلي امتلاك النفوذ و القوة، وكان الكلمة اليونانية التي اختارها شيشرون لفكرة التعليم المتوازن هي الكلمة ( Humanities). و يجب أن نشير إلي ملاحظة هامة و نحن في سياق الحديث عن تأصيل مصطلح الإنسانية في الثقافة الغربية و هي أن دخول هذا المصطلح إلي الثقافة العربية تم في القرن التاسع عشر حسب ما تذكره الموسوعات و القواميس المختصة. من هنا نري أن مفهوم النزعة الإنسانية في ظهوره الأول يرتبط ارتباطًا و وثيقا بالدعوة إلي إعادة بناء النظم التعليمية و التربوية ، و العودة من ناحية آخري إلي الآداب القديمة التي تقدم المثل الأعلى في السلوك و المعرفة. و تعتبر أفكار عصر النهضة و المقولات الملازمة لها بمثابة ثورة ثقافية يعاد فيها الاعتبار لكرامة الإنسان و حقوقه و أحقيته في ممارسة التفكير و التنظير لنفسه و مصالحه انطلاقا من ذاته و عقله. و لقد ارتبط ظهور (الأنسنة) أو المذهب الإنساني عموما بعصر الإصلاح الديني و عصر النهضة في أوروبا في القرنيين الخامس عشر و السادس عشر، حيث بدا التحول في تلك الفترة من الدين إلي العلم ، ومن الله إلي الإنسان، ومن الماضي إلي الحاضر و المستقبل. حيث نجد أن أهم ما ركز عليه الإصلاح الديني خاصة مع لوثر في القرن السادس عشر هو الاعتراف بدور العقل و مكانته في البحث الحر، وزعزعة الأستاذية العقائدية التي كانت تمارسها الكنيسة دون الخروج النهائي عن الإطار الانطولوجي العام للوحي. و نري أن من أهم منطلقات النزعة الإنسانية هي مركزية الإنسان و الانطلاق من معرفة الإنسان ، كما أن موضوعها هو تقويم الإنسان و تقييمه و استبعاد كل من شانه تغريبه عن ذاته ، سواء بإخضاعه لقوي خارقة للطبيعة البشرية ، أم بتشويهه من خلال استعماله استعمالا دونيا دون الطبيعة البشرية. فهي نظرية أو نزعة ترفض كل أشكال الاغتراب و الاضطهاد و تطالب باحترام الكرامة الإنسانية و حتى الأشخاص في أن يعاملوا كغايات في ذاتها. و هذا لا يعني أن النزعة الإنسانية في الفكر الغربي بجميع ألوانها و تعبيراتها هي خروج علي الدين.  ومما لاشك فيه أن النزعة الإنسانية (الأنسنة) قد شكلت من خلال التنوير الأوروبي واحدًا من أعمدة الحداثة الغربية ، خاصة و أن الأنسنة تعطي أهمية كبيرة للإنسان و عقله في التمييز و إدراك بناء الأحكام المعيارية ، و معناه أيضا رفض كل أسبقية دينية أو ميتافيزيقية يمكنها أن تحد من إبداع الإنسان و  فعاليته في التاريخ ، من هنا تمثل النزعة الإنسانية قطيعة حاسمة مع كل نظرة لاهوتية قروسطية صادرت كيان الإنسان باسم الإيمان  ، وتمثل في الوقت نفسه تأسيسا لفلسفة جديدة لروية جديدة تجعل الإنسان محل المركز من الوجود بعد أن كان من الوجود علي هامشه . أن الآنسة كما يقول (علي حرب) هي ثمرة لعصر التنوير و الانقلاب علي الروية اللاهوتية للعالم و الإنسان ، أي ثمرة رؤية دنيوية و محصلة فلسفية علمانية و دهريه ، بهذا المعني فان الأنسنة هي الوجه الآخر للعلمنة. فما أنجزته الحداثة الغربية هو كونها أحلت سيادة الإنسان و سيطرته علي الطبيعة محل الذات الإلهية و هيمنتها علي العالم ، وذلك علي العكس ما كان سائدا في القرون الوسطي ، من خلال  استقلالية الذات البشرية و تحرير عقلها أو روحها. و لقد مرت النزعة الإنسانية بمراحل تطور من أهمها: إنسانية عصر النهضة و في هذه المرحلة يتجلي بوضوح الاهتمام بالإنسان ، و إنساني عصر النهضة و حدهم هم الذين أدركوا أن العالم القديم كل يشكل حضارة مستقلة . وقد أصبحت مركزية الإنسان هي السمة الأساسية لاهتمامات الإنسانية في عصر النهضة ، كذلك يوجد مرحلة إنسانية عصر التنوير ، وهي  عبارة عن جماعة من المثقفين تكونت في مختلف بلدان أوروبا في القرن الثامن عشر كانت تربطهم علي ما بينهم من خلافات توجهات مشتركة ، تتمثل في مشروع قائم علي النزعة الإنسانية و العلمانية.و كانت باريس مركز لتلك الحركة. أما إنسانية القرن التاسع عشر فهي إنسانية من أهم سماتها حدوث تطورات علمية مهمة انعكست علي خصائص النزعة الإنسانية ، إذ تأكدت قدرات العلم علي تحقيق التقدم من خلال إعادة صياغة العالم عن طريق تبني المشروعات الاقتصادية الجديدة . أما إنسانية القرن العشرين فقد شهدت تطورات مهمة خاصة فيما يتعلق بنشأة علم الاجتماع و النفس. و برزت الظاهرة الاجتماعية بوصفها بحثا مستقلا له منهاجه و أدواته و مسائله من خلال عالم الاجتماع (دوركايم) .  و يجب أن نلفت الانتباه إلي أن المذهب الإنساني قد تعرض لعدد من الانتقادات مثله مثل المذاهب الاخري ، منها ان تقدم العلم لم يصحبه تقدم في قدرة الإنسان علي حسن استعمال العلم ، و أن البشر وجهوا اهتمامهم جميعها إلي المسائل الدنيوية و نسوا كل ذلك و تركزت مطامعهم في الأشياء الزائفة التي يسرها لهم العلم ، و حدث من جراء ذلك صدع بين تقدم الإنسان في المعرفة و تقدمه الأخلاقي.إن الإنسانية تؤكد علي زيادة خطر الإسراف في الاعتماد علي الآلة  ، فهذا الإسراف قد يقضي علي الأصالة و الابتكار ، كما أن الأسس الأخلاقية لا تصلح إلا إذا استندت إلي الاعتقاد بوجود نظام اسمي من النظام الدنيوي و الإيمان بالمبادئ الخالدة المطلقة ، أما إذا اقتصرت الآداب علي أن تكون خاضعة للمواءمة بين الإنسان و بيئته ، كلما تغيرت الظروف و تبدلت الأحوال، فإنها بذلك تفقد قيمتها العامة. كذلك رأي بعض نقاد المذهب الإنساني  أن هذا المذهب قدم و عودا للإنسانية لم يحققها، كما انه افقد الناس الشعور بالحقائق الروحية و جعل الناس عبيدا للقوي المادية العمياء ، كما أن نقاد المذهب الإنساني ارجعوا إخفاق عصبة الأمم في تسوية المشكلات في العلم و انتشار الفاشية و النازية إلي ظهور المذهب الإنساني، وان عيوب المدنية الغربية ترجع في الغالب الأعم منها إلي المذهب الإنساني. و برغم هذه الانتقادات للمذهب الإنساني لا تقلل من أهميته باعتباره مذهب اعلي من الاهتمام بالإنسان و همومه،و جعله مركز الكون بعد أن كان علي الهامش في فترة العصور الوسطي.  

تابعوا آخر الأخبار من موقع بصراوي على Google News تابعوا آخر الأخبار من موقع بصراوي على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من موقع بصراوي على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

d941acf9 f53c 4e2f b2ee c5b3ff31c263
السبت 11 أبريل 2026 - 17:38

اختفاء MQ-4C Triton يثير التساؤلات.. هل سقطت أم خرجت عن السيطرة؟

fa6115ca 056e 4d74 8608 87247c83e01a
السبت 11 أبريل 2026 - 01:36

ماذا يعني ارتفاع أسعار النفط للعراق؟

cc6d7bbf cee0 40cd acce e03e7e19888b
الأربعاء 25 مارس 2026 - 14:35

ترامب يطلب مساعدة دول اذلها

19646286 bd83 4663 bc24 94c5cf1bd4c3
الثلاثاء 17 فبراير 2026 - 08:29

اسرائيل تدفع ترامب نحو ايران لسيناريو بوش في العراق