
بعد الخسارة المريرة في نهائي كوبا أمريكا 2016، أعلن ليونيل ميسي اعتزاله اللعب الدولي، دون أن يتخيل أحد أن تلك الليلة المظلمة ستكون هي نقطة الانطلاق لأعظم حقبة في تاريخه الكروي.
خيبة أمل متكررة وقرار الرحيل
في 24 يونيو 2016، احتفل ميسي بعيد ميلاده التاسع والعشرين داخل معسكر المنتخب، متأهبا لخوض النهائي الكبير الرابع في مسيرته، بعد أن تجرع مرارة الهزيمة في النهائيات الثلاثة السابقة. ففي عام 2007، خسرت الأرجنتين أمام البرازيل (0-3) في نهائي كوبا أمريكا، وفي عام 2014 سقطت أمام ألمانيا في نهائي مونديال البرازيل (0-1 في الأشواط الإضافية).

تلا ذلك نهائيان متتاليان في كوبا أمريكا أمام تشيلي، خسرهما “التانغو” بركلات الترجيح، حيث سجل ميسي ركلته في النهائي الأول، وأهدرها في الثاني. النهائي الثاني ضد تشيلي حطم ميسي تماما بعد أن وصل إلى مرحلة الاحتراق النفسي، فحتى تلك اللحظة، كان النجم الأرجنتيني يمتلك خمس كرات ذهبية، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وحصيلة مرعبة من البطولات مع برشلونة، بينما لم يحقق مع منتخب بلاده سوى ذهبية أولمبياد بكين 2008.
وكان غياب لقب كبير مع المنتخب يمثل ضغطا خانقا على ميسي، وتحديدا مع تصاعد حدة الانتقادات الجماهيرية، والتي بلغت ذروتها عندما توجت البرتغال بلقب يورو 2016، ليحصد غريمه الأبرز، كريستيانو رونالدو، لقبا قاريا تاريخيا مع بلاده. وأعلن ميسي اعتزاله والدموع في عينيه، معترفا بأنه قدم كل ما لديه لكنه فشل في تحقيق الهدف، وأن قراره هو الأفضل للجميع.
في تلك السنوات، كانت المقارنة مع دييغو مارادونا تزداد قسوة، فالأسطورة الراحل قاد بلاده للمجد المونديالي (مونديال 1986) بأسلوب هيمن فيه على العالم، بينما كان ميسي مهددا بإنهاء مسيرة أسطورية دون أن يخرج من ظل مارادونا في وطنه. ورغم أن ليو أصبح في 2016 الهداف التاريخي للأرجنتين، إلا أن الشارع الرياضي اعتبر ذلك تحصيل حاصل، فالبلاد كانت جائعة للألقاب الكبرى بعد أن نسيت طعم الوقوف في المنصات منذ مونديال 1986 وكوبا أمريكا 1993، وكان السؤال الأبرز: من سيعيد الكأس إلى بوينس آيرس إن لم يفعلها ميسي؟
العودة من البعيد.. وباقة الأمل الجديد
لم تدم الصدمة طويلا، فبعد أسابيع معدودة بدأت شائعات العودة تلوح في الأفق، ليعود ميسي ويرتدي قميص المنتخب مجددا في سبتمبر 2016 بعد نحو 3 أشهر من إعلان اعتزاله الدولي. ولم يكن القرار عشوائيا، بل جاء بعد محادثات مطولة مع مدرب منتخب الأرجنتين آنذاك إدغاردو باوزا، حيث أدرك ليو أنه لا يزال قادرا على العطاء.
نجح ميسي في قيادة الأرجنتين إلى مونديال روسيا 2018، لكن الرحلة انتهت مبكرا في ثمن النهائي بخسارة مثيرة أمام فرنسا بقيادة النجم الصاعد حينها كيليان مبابي (3-4). في تلك الليلة بمدينة قازان، قال أحد المعلقين البريطانيين جملته الشهيرة التي تداولها الجميع حينها تعقيبا على نهاية جيل ميسي. يا له من خطأ فادح وقع فيه هذا المعلق! فمنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة كليا مع تولي المدرب ليونيل سكالوني زمام الأمور، حيث تحول المنتخب الأرجنتيني إلى منظومة شرسة تطبق الضغط العالي، بفضل جيل من اللاعبين المستعدين للقتال في كل شبر من الملعب لإعفاء النجم الأول من الأدوار الدفاعية المرهقة، وبرز في هذه المنظومة خط وسط مقاتل يقوده رودريغو دي باول، الذي تحول إلى “حارس شخصي” لميسي داخل الملعب وخارجه.
كما عثرت الأرجنتين أخيرا على حارس مرمى موثوق وخبير في ركلات الترجيح، وهو إيميليانو مارتينيز، الذي تألق مع أستون فيلا ولفت أنظار الجهاز الفني للمنتخب، ليصبح ركيزة لا غنى عنها، محققا الفوز في أربع سلسلات لركلات ترجيح متتالية مع “التانغو”، أبرزها في نهائي مونديال 2022 ضد فرنسا.

وتزامن ذلك مع صعود جيل أرجنتيني ذهبي من النجوم الشابة مثل: إنزو فيرنانديز، أليكسيس ماك أليستر، جوليان ألفاريز، باولو ديبالا، تياغو ألمادا، ولاوتارو مارتينيز، لتمتلك الأرجنتين أخيرا تشكيلة متوازنة في جميع الخطوط دون نقاط ضعف واضحة، وهو ترف لم يحظ به ميسي حتى في ذروة عطائه البدني.




