التضخم يضغط على الأسواق وسط انتعاش الأصول وارتفاع الفائدة المتواصل

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر
تدخل الأسواق العالمية مرحلة حاسمة، حيث باتت بيانات التضخم الأميركية محور التركيز الأساسي في إعادة تسعير الأصول عبر مختلف الفئات. بعد موجة من التقلبات الحادة، لم تعد فرضية “الهبوط الناعم” مستقرة، بل أصبحت مشروطة بمدى قدرة التضخم على التراجع دون التأثير سلباً على زخم النمو.
تشير الأوضاع الراهنة إلى بيئة اقتصادية غير تقليدية تتسم بتضخم لا يزال أعلى من المستويات المستهدفة، ونمو اقتصادي مدعوم بسوق عمل قوي واستثمارات في قطاع التكنولوجيا، إلى جانب سياسة نقدية مشددة من المتوقع أن تستمر. وقد وصف بعض المحللين، مثل الاقتصادي المعروف محمد العريان، هذه البيئة بأنها “صراع بين مسارات متعددة”، حيث تتزايد احتمالات النتائج المتباينة صعوداً وهبوطاً.
الضغوط التضخمية، وخاصة تلك المرتبطة بأسعار الطاقة، قد تعيد رفع الأسعار، مما قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى التريث في اتخاذ خطوات نحو التيسير النقدي. تشير التحركات الأخيرة في الأسواق إلى أن سوق السندات أصبح القائد الحقيقي، حيث تعكس الارتفاعات في العوائد إعادة تسعير مسار الفائدة، مما يؤثر سلباً على الأسهم، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا.
يستند السيناريو الإيجابي للأسواق إلى تحقيق معادلة دقيقة، تتمثل في حدوث تباطؤ واضح في التضخم، خاصة في المكونات الأساسية، مع استقرار في سوق العمل دون تسارع في الأجور. في هذه الحالة، من المتوقع أن تنخفض عوائد السندات تدريجياً، مما يعيد تحفيز شهية المخاطرة، خاصة في الأصول عالية النمو.
تدعم بعض النماذج هذا الاتجاه، حيث تشير تجارب سابقة إلى أن بيانات تضخم أقل من المتوقع قد تؤدي إلى ارتفاع جماعي في الأسواق، مع إعادة تسعير توقعات الفائدة نحو التخفيض. كما تلعب استثمارات الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في دعم هذا الاتجاه، حيث تشير مؤسسات مثل بلاك روك إلى أن العوائد المرتبطة بهذا القطاع قد ساهمت في التخفيف من تأثير ارتفاع الفائدة على الأسهم.
في المقابل، يبقى السيناريو الأكثر هشاشة مرتبطاً باستمرار الضغوط التضخمية أو تسارعها، نتيجة لعدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة وقوة الطلب المحلي. وقد يؤدي ذلك إلى تداعيات سلبية، مثل ارتفاع جديد في عوائد السندات وضغط على تقييمات الأسهم، خصوصاً في القطاعات ذات النمو العالي.
تحولت بيانات التضخم إلى أهم متغير في السوق بسبب ارتباطها المباشر بسياسة الاحتياطي الفيدرالي وتأثيرها الفوري على منحنى العائد. حتى الفروقات الهامشية في قراءة التضخم يمكن أن تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية بالكامل، مما يؤدي إلى تحركات حادة في الأصول.
بعيداً عن البيانات قصيرة الأجل، تتحرك الأسواق ضمن بيئة أكثر تعقيداً، تتسم بضغوط جيوسياسية مستمرة تؤثر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة في التكنولوجيا. تشير التقديرات إلى أن التضخم العالمي قد يتراجع تدريجياً، لكنه سيظل أعلى من المستويات المستهدفة في بعض الاقتصادات، مع استمرار المخاطر المحيطة بالنمو.
بينما تواجه الأسواق تحديات متعددة، فإن السؤال الأهم ليس فقط “إلى أين يتجه الاقتصاد؟”، بل “ما هو المستوى المقبول من التضخم الذي لا يفرض تشديداً إضافياً؟”. في ظل هذه المعادلة المعقدة، سيظل التركيز منصباً على بيانات التضخم هذا الأسبوع، والتي ستحدد مسار الأسواق في صيف يبدو أنه سيكون الأكثر حساسية منذ سنوات.




