التضخم: لماذا يُعتبر “ضرورياً” رغم تأثيره السلبي على الأسعار؟

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر
يواجه المستهلكون في مختلف أنحاء العالم ظاهرة ارتفاع الأسعار المستمر، والتي تؤثر بشكل كبير على ميزانيات الأسر وتؤدي إلى تغييرات في قرارات الشركات والسياسات الاقتصادية. التضخم، الذي يظهر كقوة غير مرئية، ليس مجرد زيادة عشوائية في الأسعار، بل هو نتيجة لتوازن دقيق بين ملايين القرارات الاقتصادية التي تتخذها الأفراد والشركات والحكومات في وقت واحد. وعندما ينحرف هذا التوازن، ترتفع الأسعار أو تنخفض.
على الرغم من أن التضخم يُعتبر ظاهرة معقدة، إلا أنه لا يُنظر إليه كخطر دائم. في الواقع، تستهدف معظم البنوك المركزية، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، معدل تضخم قريب من 2%. هذا الرقم يعتبر “منطقة أمان” تسمح للاقتصاد بالنمو دون الوقوع في ركود أو انكماش حاد. غياب التضخم تمامًا قد يبدو مستقرًا، لكنه في الواقع قد يشير إلى اقتصاد راكد يفتقر إلى القدرة على التحفيز الذاتي.
في عام 2022، شهدت العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول منطقة اليورو، مستويات تضخم اقتربت من 10%، مما أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار السلع والخدمات اليومية مقارنة بالعام السابق. ويبدو أن العالم يتجنب التضخم الصفري لأسباب عدة، منها أن توقع ارتفاع الأسعار يدفع المستهلكين إلى الإنفاق بدلاً من التأجيل، مما يحافظ على حركة الطلب في الأسواق، كما يساعد التضخم المعتدل الشركات على تحقيق أرباح تدعم التوسع والتوظيف.
تعتبر الأجور عنصراً حاسماً في معادلة التضخم. إذ إن ارتفاع الأسعار دون زيادة في الرواتب يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، مما يزيد الضغط المالي على المستهلكين. بين عامي 2021 و2023، شهدت الولايات المتحدة ودول أخرى فجوة بين نمو الأسعار ونمو الأجور، مما أدى إلى تراجع الدخل الحقيقي رغم ارتفاع الرواتب الاسمية. ومع التحسن التدريجي في أجور بعض الفئات ذات الدخل المنخفض، بدأت هذه الفجوة في الانحسار، لكنها لم تُغلق بالكامل وفق تقديرات العديد من الاقتصاديين.
تواجه البنوك المركزية تحديًا دائمًا في إدارة التضخم عبر أسعار الفائدة. فرفع الفائدة يقلل من الاقتراض والإنفاق، ما يساعد على تهدئة الاقتصاد ويحد من ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، تترتب على هذه السياسة تكلفة مباشرة على النمو الاقتصادي، حيث تؤدي إلى تباطؤ الاستثمار وزيادة صعوبة الحصول على التمويل، خاصة للأسر والشركات الصغيرة.
رغم الآثار السلبية لارتفاع الأسعار، يُعتبر الانكماش، أي انخفاض الأسعار المستمر، أكثر خطورة على المدى الطويل. فعندما يتوقع المستهلكون انخفاض الأسعار،




