حوارات

«آخر جبان» لرمضان بن لطيف بين الغربة والوعي والبحث عن المعنى.. قراءتان نقديتان

إعداد للنشر: كمال الحجامي

تفتح قصيدة «آخر جبان» للشاعر الجزائري رمضان بن لطيف مساحة واسعة للتأويل، بما تحمله من أسئلة الغربة والهوية والانتظار والصراع الداخلي، وبما تبنيه من صور تنتقل بالقارئ من المسافة بوصفها مكانًا إلى الغربة بوصفها حالة تسكن الروح.

القصيدة، التي تعود إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2021 والمنشورة ضمن ديوان الشاعر «رفقًا أيها الدهر»، استوقفت ناقدين عربيين قدّما قراءتين تتقاطعان عند البعد الوجودي والوجداني للنص، وتختلفان في زاوية الاقتراب منه.

الأولى للدكتور مرواني عاشور بن أحمد من الجزائر، والثانية للدكتور حسين عبد الله الراشد من الكويت.


«آخر جبان».. تمرّد على الشجاعة المزيّفة

قراءة وجدانية للدكتور مرواني عاشور بن أحمد – الجزائر

هذا النص ليس اعترافًا بالجبن بقدر ما هو إعلان تمرّد على مفهوم الشجاعة المزيّفة. فـ**«آخر جبان»** لا يبدو لقبًا يتقبله الشاعر، وإنما أشبه بتاج من الشوك يحمله من رفض أن يتحول إلى جلاد أو متفرج على ما يدور حوله.

منذ البداية يدخل النص في سفر وجودي تتوالى خلاله التحولات:

«حتى صار المقاس مسافة
والمسافة رحلة
والرحلة غربة
والغربة قصيدة معصورة بمداد الاشتياق»

يتحول المقاس إلى مسافة، والمسافة إلى رحلة، والرحلة إلى غربة، ثم تتحول الغربة نفسها إلى قصيدة. وهكذا يتكثف اليومي والعادي حتى يصبح تجربة شعرية.

والقصيدة هنا ليست ترفًا لغويًا؛ فهي، كما يصفها الشاعر، «معصورة بمداد الاشتياق»، بما يجعل الكتابة أقرب إلى عصر الروح حتى آخر قطرة. إنه شعر لا يتولد من الحبر وحده، وإنما من مسافة طويلة استطاعت أن تجد طريقها إلى اللغة.

الهجرة من الأصل

عندما يقول الشاعر:

«أنا الأصل من الأصل
أنا المعنى
أنا الضحية
أنا المصلوب أمام الحقيقة»

يبدأ عمق التجربة في الظهور بصورة أوضح.

فالشاعر هنا لا يتحدث عن تهجير من مكان فقط، وإنما عن اقتلاع من الكينونة ذاتها؛ فهو «الأصل»، ومع ذلك يجد نفسه خارج موطنه، وهو «المعنى» لكنه يعيش التهميش، وهو «الضحية» التي تقف أمام حقيقة مؤلمة.

وهنا تتولد إحدى مفارقات النص الأساسية: أن يكون الإنسان في قلب المعنى، ثم يجد نفسه على هامشه.

لماذا «آخر جبان»؟

في زمن يعلو فيه الصراخ، يمكن للصمت نفسه أن يحمل معنى مختلفًا للشجاعة.

وعندما يصف الشاعر نفسه بأنه يسلك «دروب التيه»، فإن التيه لا يبدو مجرد ضياع، وإنما يمكن قراءته بوصفه رفضًا للطرق الجاهزة.

وكذلك صورة:

«يرتشف من نبع السراب»

تحمل تناقضًا شعريًا لافتًا؛ فالسراب الذي لا ماء فيه يتحول إلى «نبع»، وكأن الشاعر يبحث عن الحقيقة حتى داخل أكثر الصور التباسًا ووهمًا.

«رفقًا أيها الدهر»

النداء المتكرر:

«رفقًا أيها الدهر»

ليس مجرد استعطاف للزمن، بل خطاب موجّه إلى ما يحمله الدهر من فقد وخذلان وانتظار.

وعندما يقول:

«تأتي الفصول ولا تجد زهرتك»

يصبح غياب الزهرة أكثر من مجرد صورة؛ إنه غياب للمعنى الذي تنتظره دورة الحياة نفسها.

الفصول تستمر، لكن شيئًا أساسيًا لم يعد موجودًا.

بين جنونين

من أكثر أسئلة القصيدة دلالة قول الشاعر:

«من أنا؟
هل الجنون خلفي أم أمامي؟
وأنا المتوسط بين جنون الماضي والحاضر»

هنا تتحول الأزمة إلى سؤال وجودي صريح.

الجنون لم يعد حالة نفسية، بل أصبح جهة: هل جاء الشاعر منه أم يسير إليه؟

وأن يقف الإنسان بين «جنون الماضي والحاضر» يعني أنه لم يعد يجد في الزمن منطقة آمنة يمكن الاحتماء بها.

جليد الصمت

وتتعمق الصورة مع قوله:

«كيف ننبس وجليد الصمت لم يذب على ثغورنا؟»

فالصمت لم يعد غيابًا للكلام، بل تحول إلى جليد ثقيل يغطي الشفاه.

ومن هنا يمكن قراءة صمت النص بوصفه شكلًا من أشكال الاحتجاج الداخلي؛ صمت إنسان يعرف أن الصراخ وحده لا يغير بالضرورة ما حوله.

نهاية تبدو استسلامًا وتحمل انتظارًا آخر

يختتم الشاعر بقوله:

«سأتراجع عن قرع الأبواب
ما عدت أعيد الكرة
حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا»

يبدو التراجع في ظاهره استسلامًا، لكنه يحمل في داخله انتقالًا من الفعل المتكرر إلى التسليم بعد استنفاد المحاولات.

وفي جوهر القصيدة تظل هناك صرخة مكتومة، وإحساس بأن ما يسمى «جبنًا» في زمن البطولة الزائفة قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال الحفاظ على النفس والكرامة.

فالشاعر لا يهرب من العالم بقدر ما ينسحب للحظة من مسرح عبثه، محتفظًا بما تبقى من روحه، ومنتظرًا أن يأتي ما لا يستطيع هو وحده أن يصنعه.


الغربة حين تتحول من مكان إلى حالة تسكن الروح

قراءة نقدية للدكتور حسين عبد الله الراشد – الكويت

حين تتحول الغربة من مكان إلى حالة تسكن الروح، يصبح الطريق أطول من المسافة، ويغدو الانتظار امتحانًا للذاكرة والكرامة معًا.

ومن هذا الوجع يكتب رمضان بن لطيف نصه، جامعًا بين ألم التهجير ومرارة الانتظار والبحث عن الذات وسط زمن لا يكف عن تبديل الوجوه والطرق.

ويأتي عنوان «آخر جبان» عنوانًا صادمًا ومفارِقًا؛ لأن المتكلم لا يبدو جبانًا بقدر ما يبدو إنسانًا أنهكه الصراع، فكأن وصف الذات بالجبن يحمل سخرية مرّة، أو محاكمة داخلية لنفس دفعت ثمنًا ثقيلًا للاستمرار.

وتبلغ القصيدة واحدة من أجمل لحظاتها في قوله:

«حتى صار المقاس مسافة
والمسافة رحلة
والرحلة غربة
والغربة قصيدة معصورة بمداد الاشتياق»

فهنا يتدرج المعنى بصورة لافتة من المحسوس إلى الوجداني، حتى تصبح الغربة نفسها قصيدة، ويصبح الاشتياق مدادها.

وهي واحدة من أكثر صور النص تماسكًا ودلالة.

كما يستوقف القارئ قوله:

«من أنا؟
هل الجنون خلفي أم أمامي؟
وأنا المتوسط بين جنون الماضي والحاضر»

يكشف هذا المقطع البعد النفسي العميق في النص، إذ لم تعد الأزمة متعلقة بالمكان وحده، وإنما وصلت إلى سؤال الهوية والوجود.

وأصبح الشاعر محاصرًا بين زمنين، كلاهما مثقل بالوجع.

ومن الملامح اللافتة في القصيدة حضور مفردات الغربة والحصار والصمت والانتظار بوصفها شبكة دلالية مترابطة، إلى جانب تكرار عبارة:

«رفقًا أيها الدهر»

التي تأتي كصرخة داخلية تربط أجزاء النص، وتعيد القارئ في الوقت نفسه إلى عنوان الديوان.

ومن الناحية الفنية، كان يمكن للنص أن يزداد تكثيفًا لو خفف الشاعر من تراكم بعض المفردات المباشرة في جزئه الأخير، ومنح صوره المركزية مساحة أكبر للتعبير عن الوجع بدلًا من تسميته بصورة مباشرة.

مثل هذا الاختزال كان سيمنح بعض الصور الشعرية أثرًا أعمق وأكثر رسوخًا.

ومع ذلك، يظل النص حاملًا لتجربة وجدانية واضحة، استطاع فيها الشاعر أن يجعل الغربة سؤالًا عن الإنسان قبل أن تكون سؤالًا عن المكان، وأن يُبقي خلف قسوة الانتظار خيطًا أخيرًا من التسليم والأمل:

«حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا»


نص القصيدة

آخِرُ جَبَانٍ

رمضان بن لطيف – نوفمبر/تشرين الثاني 2021

ذات يوم كنت أمشي
حتى صار المقاس مسافة
والمسافة رحلة
والرحلة غربة
والغربة قصيدة معصورة بمداد الاشتياق

ذات يوم زرعت بذرة
وقلت ربما يشتد قوامها
ويتدلى غصنها
وأنتفع بثمرتها
ولكنني هُجّرت عن موطني الأصلي

أنا الأصل من الأصل
أنا المعنى
أنا الضحية
أنا المصلوب أمام الحقيقة

ذات يوم، بغتة ثارت زوبعة
وصرت أنا آخر جبان
يسلك دروب التيه
يرى الوجوه المتقلبة
ويرتشف من نبع السراب
ويكمل مسيرة رحلته الشاقة

رفقًا أيها الدهر

ذات يوم تأتي الفصول ولا تجد زهرتك
وكأن الكون وحدي أراه يرتدي أكفان الأحزان
أوكلما مر طيفك على ذاكرتي
هزني زلزال الشوق
وأصابتني عتمة الغربة

صرت أمشي دون وجهة
من أنا؟
هل الجنون خلفي أم أمامي؟
وأنا المتوسط بين جنون الماضي والحاضر

رفقًا أيها الدهر بحالي

كنت الملقب بالأسير والمجنون والعلة المزمنة
طال دجاها
والمعاقل لا تزال هي المعاقل
والحصار دون الحواجز
أبكم لا يسمع وجعنا ولا أنيننا

في الخفايا نتألم
كيف ننبس وجليد الصمت لم يذب على ثغورنا؟

تأتي المواسم تؤدي دورها
ودور الحق مهضومًا
لا طريق له معبد

انحراف
انقلاب
سقوط
تقهقر

وعد مؤجل
على حواف الفجر

مللنا الانتظار
سأتراجع عن قرع الأبواب
ما عدت أعيد الكرة
حتى يقضي الله
أمرًا كان مفعولًا

من ديوان «رفقًا أيها الدهر»
رمضان بن لطيف


القراءة الأولى: د. مرواني عاشور بن أحمد – الجزائر
القراءة الثانية: د. حسين عبد الله الراشد – الكويت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى