اقتصاد

نهاية حرب الأسعار: التجارة الفورية تعيد تشكيل السوق الصينية

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر

دخلت التجارة الإلكترونية في الصين مرحلة جديدة مع تراجع حرب الدعم التي أشعلتها شركات توصيل الطعام، حيث برزت “تجارة التجزئة الفورية” كالساحة الرئيسية للتنافس. هذا التحول أعاد تشكيل توقعات المستهلكين حول سرعة التسليم، مما يعكس تغيرًا جذريًا في نمط استهلاكهم.

على مدار العام الماضي، استثمرت منصات مثل “ميتوان” و”علي بابا” و”جي دي دوت كوم” مليارات اليوانات في تقديم القسائم والخصومات والتوصيل المجاني، بهدف جذب المستخدمين إلى خدمات توصيل الطعام. لكن المنافسة لم تتوقف عند هذا الحد، بل توسعت لتشمل توصيل السلع غير الغذائية في أقل من ساعة.

لم تعد خدمات التوصيل مقتصرة على الطعام والشراب، بل أصبح بإمكان المستهلكين في المدن الكبرى طلب مجموعة متنوعة من المنتجات، مثل الإلكترونيات والزهور ومستحضرات التجميل والأدوية، واستلامها خلال 60 دقيقة. يعتقد المحللون أن هذا التحول يتجاوز مجرد زيادة عدد زيارات تطبيقات التوصيل، إذ تسعى المنصات إلى تحويل الاستخدام المتكرر لخدمات الطعام إلى عمليات شراء للسلع غير الغذائية ذات هوامش ربح أعلى.

قال شاو هوي تشن، المدير المالي لشركة “ميتوان”، إن التجارة السريعة أعادت تشكيل توقعات المستهلكين بشأن الراحة والموثوقية، مشيرًا إلى أن هذا التحول أصبح جزءًا لا يتجزأ من نمط الحياة. ومن المتوقع أن تصل قيمة سوق “تجارة التجزئة الفورية” إلى حوالي 1.2 تريليون يوان، ما يعادل 178 مليار دولار، بحلول نهاية العام، مع توقعات بنمو متوسط سنوي يبلغ 12.6% حتى عام 2030.

تغير سلوك المستهلكين بشكل ملحوظ، حيث أصبح بإمكانهم الحصول على المنتجات فور اتخاذ قرار الشراء، مما يضغط على نموذج التجارة الإلكترونية التقليدي الذي يعتمد على فترات شحن أطول. تجربة المتسوقين في بكين تعكس هذا التحول، حيث يمكنهم الآن طلب المنتجات أثناء توجههم إلى مواعيد أو مطاعم، لتصل المنتجات قبل انتهاء الزيارة.

على الرغم من استفادة المستهلكين من الخصومات الكبيرة خلال فترة المنافسة، أثارت حرب الأسعار مخاوف بشأن تأثيرها على المطاعم والتجار وهوامش أرباح شركات التكنولوجيا. تدخلت الجهات التنظيمية الصينية عدة مرات لفرض ضغوط على شركات التجارة الإلكترونية لتحسين حماية المستهلكين والتجار.

في أبريل الماضي، فرضت السلطات غرامات إجمالية بلغت 3.6 مليار يوان على سبع منصات للتجارة الإلكترونية، بما في ذلك “ميتوان”، بسبب مخالفات تتعلق بسلامة خدمات توصيل الطعام. كما تأثرت بعض الشركات، مثل “لوكين كوفي”، بتراجع مبيعاتها بسبب الضغوط الناتجة عن الخصومات.

تسبب التنافس الشديد في ضغوط كبيرة على الأرباح، حيث تحولت “ميتوان” إلى الخسارة خلال إحدى مراحل الحرب، بينما تراجعت ربحية “علي بابا” واقتربت أرباح “جي دي دوت كوم” من الانعدام. بحسب بيانات “أناليسيس”، بلغت حصة “ميتوان” من سوق التجارة الفورية 45.3% في الربع الثاني، مقارنة بـ 45.7% لـ “علي بابا” و7.7% لـ “جي دي دوت كوم”.

مع نهاية حرب الدعم، بدأت الشركات في التركيز على الربحية بدلاً من الاستحواذ على المستخدمين من خلال الخصومات. أظهرت نتائج الربع الثاني تحولاً استراتيجياً لدى الشركات الثلاث نحو الاحتفاظ بالمستخدمين وتحسين عمليات التوصيل. قفزت إيرادات “التجارة الفورية” لدى “علي بابا” بنسبة 45%، بينما أعلنت “جي دي دوت كوم” عن تقليص خسائرها.

تتجه الشركات الآن نحو الاستثمار في البنية التحتية اللازمة لتسليم المنتجات بسرعة، حيث تعمل “ميتوان” على توسيع نشاطها في البقالة، بينما تتوسع “علي بابا” و”جي دي دوت كوم” في المتاجر المخصصة للطلبات الإلكترونية. يتضح أن المنافسة في التجارة الإلكترونية الصينية قد تحولت من معركة الخصومات إلى سباق لبناء شبكة توصيل أكثر كفاءة، مما يعكس تغييرات جوهرية في السوق.

d986d987d8a7d98ad8a9 d8add8b1d8a8 d8a7d984d8a3d8b3d8b9d8a7d8b1 d8a7d984d8aad8acd8a7d8b1d8a9 d8a7d984d981d988d8b1d98ad8a9 d8aad8b9d98a 1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى