قنوات نهرية مدفونة تكشف أسرار نشأة نهر الفرات!

موقع بصراوي | ترند | كتبت: نورهان ناصر
فريق علمي دولي يكشف أسرار نشأة نهر الفرات العظيم
في إنجاز علمي يغير المفاهيم ويعيد كتابة تاريخ منطقة الشرق الأوسط، تمكن فريق بحثي دولي من حل اللغز المحير حول نشأة نهر الفرات، الذي يعد مهد الحضارات الإنسانية القديمة. وكشفت دراسة جديدة نشرتها مجلة “نيتشر جيوساينس” المرموقة أن هذا النهر لم يكن موجودًا بالشكل الذي نعرفه اليوم منذ الأزل، بل وُلد قبل حوالي 1.6 إلى 3.6 مليون سنة نتيجة تصادم جيولوجي عنيف.
تسبب النشاط التكتوني المستمر والزلازل في جبال طوروس، الواقعة في جنوب تركيا الحالية، في دمج نظامين نهريين كانا منفصلين تمامًا، وهما الأسلاف القديمة لنهرَي “قره صو” و”مراد”. في تلك الحقبة البعيدة، كان هذان النهران يتدفقان في مسارات مستقلة ويصبان مباشرة في البحر الأبيض المتوسط، خلال فترة شهدت جفاف أجزاء واسعة من البحر، والتي تُعرف تاريخيًا بـ “أزمة الملوحة الميسينية”. ومع تحرك الصفائح الأرضية، تغير مسار أحد النهرين نحو الخليج، ليلتقي لاحقًا بالنهر الآخر، ويشكلا معًا هذا الشريان المائي الذي غيّر مجرى التاريخ.
هذا الاكتشاف العلمي لم يكن ليظهر لولا استخدام تقنية متقدمة تشبه الخيال العلمي، حيث اعتمد الباحثون على “التصوير الزلزالي” ثلاثي الأبعاد لاختراق باطن الأرض وقاع البحر. من خلال تتبع الموجات الصوتية التي ترتد عن الصخور، تمكن العلماء من رسم خرائط دقيقة لقنوات نهرية قديمة ظلت مخفية لآلاف السنين. وقد وصف الجيولوجي سيمون لانغ من جامعة وسترن أستراليا، الذي قاد البحث بالتعاون مع الخبير آندرو مادوف، هذه التقنية بأنها تشبه استخدام “الموجات فوق الصوتية” لتصوير الأجنة، ولكنها هنا تلتقط التفاصيل الدقيقة للرواسب التي تحولت إلى صخور تحت جبال طوروس.
تعتبر هذه الدراسة أكثر من مجرد استكشاف في أعماق الجيولوجيا؛ إذ يراها العلماء مفتاحًا لفهم كيف نشأت الثقافة البشرية ذاتها. من رحم هذا الاندماج النهري العنيف، تشكلت السهول الفيضية الخصبة التي احتضنت أولى خطوات الإنسان في مجالات الزراعة وبناء المدن واختراع الكتابة، مما يبرز كيف أن التقلبات الجيولوجية العنيفة كانت لها دور محوري في تشكيل مهد الحضارة الإنسانية.



