أسباب تأميم بريطانيا لشركة «بريتيش ستيل» رغم كلفة الإنقاذ العالية

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر
أعادت الحكومة البريطانية شركة “بريتيش ستيل” إلى ملكية الدولة، وذلك لأول مرة منذ نحو أربعة عقود، في خطوة تُعتبر من أبرز التدخلات الحكومية في القطاع الصناعي. جاء هذا القرار بعد تقييم الحكومة لمدى أهمية الشركة، حيث يعتبر تركها لمصيرها قد يؤدي إلى فقدان المملكة المتحدة قدرتها على إنتاج الصلب الأولي من خام الحديد، مما يزيد الاعتماد على الواردات في العديد من القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والدفاع.
تأتي هذه الخطوة بعد أن كان مصنع “بريتيش ستيل” في مدينة سكونثورب، وهو آخر مصنع في المملكة المتحدة قادر على إنتاج الصلب انطلاقاً من خام الحديد، مهدداً بالإغلاق العام الماضي. إذ أعلنت مجموعة “جينغيه” الصينية، المالكة للمصنع، أن تشغيله لم يعد مجدياً اقتصادياً.
دخل قرار التأميم حيز التنفيذ رسمياً في 16 يوليو 2026، بعد حصول قانون صناعة الصلب للتأميم على الموافقة الملكية. وبموجب هذا القرار، انتقلت ملكية الشركة من مجموعة “جينغيه” إلى الحكومة البريطانية بشكل فوري، مع الهدف الرئيسي المتمثل في حماية آلاف الوظائف والمحافظة على مصنع سكونثورب.
تتجاوز أهمية مصنع سكونثورب مجرد عدد الوظائف التي يوفرها، إذ يُنتج المصنع نحو 2.5 مليون طن من الصلب سنوياً، بما في ذلك قضبان السكك الحديدية والصلب المستخدم في البناء والنقل. كان إغلاق المصنع سيجعل المملكة المتحدة تعتمد تماماً على الخارج للحصول على الصلب الأولي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من اضطرابات تجارية وحروب ومخاوف من قيود على الصادرات.
على الرغم من التدخل الحكومي، ظلت “جينغيه” المالك الاقتصادي للشركة، بينما تولت الحكومة إدارة العمليات. وفي مايو 2026، أعلنت الحكومة عن خطتها لنقل الملكية بالكامل إلى الدولة، بعد فشلها في العثور على مشترٍ خاص قادر على تحمل الخسائر.
تكبدت الحكومة حتى الآن أكثر من مليون جنيه إسترليني يومياً للإبقاء على عمليات الشركة، حيث قدمت نحو 640 مليون جنيه منذ بدء التدخل الطارئ. في المقابل، استثمرت مجموعة “جينغيه” أكثر من 1.2 مليار جنيه إسترليني منذ استحواذها على “بريتيش ستيل”، لكنها لم تتمكن من تحقيق الربحية بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب.
لا يزال النزاع مع “جينغيه” قائماً، حيث يتعين على الحكومة تقييم ما إذا كانت تستحق تعويضات عن استثماراتها. كما أن التأميم لا يحل المشكلات الهيكلية التي تواجه الصناعة، مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج والحاجة إلى تقنيات أكثر نظافة.
رحبت النقابات العمالية بقرار التأميم، معتبرة أنه يحمي الوظائف والمجتمعات المرتبطة بالمصنع. في الوقت نفسه، حذرت من ضرورة وضع خطة واضحة لإعادة الشركة إلى الجدوى التجارية وتقليل الاعتماد على التمويل الحكومي.
في النهاية، يطرح هذا القرار تحديات كبيرة أمام الحكومة البريطانية، حيث يتعين عليها تحويل “بريتيش ستيل” إلى شركة قابلة للاستمرار دون تحميل دافعي الضرائب أعباء مالية إضافية.

