كيف تتطور مصانع العالم في ظل تفشي التضخم؟

موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر
تشهد الصناعة العالمية تحدياً جديداً في قدرتها على الاستمرار في النمو دون توليد موجة جديدة من التضخم، حيث أظهرت بيانات شهر أكتوبر استمرار توسع النشاط الصناعي في الاقتصادات الكبرى. يأتي ذلك في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، بالإضافة إلى الاضطرابات في سلاسل الإمداد، مما يهدد بتحويل التعافي الصناعي إلى مصدر جديد للضغوط السعرية.
رغم تأثيرات الحرب في المنطقة والرسوم الجمركية، استمر النشاط الصناعي في الارتفاع، لكن ضغوط التكلفة بدأت تتجاوز هوامش أرباح الشركات، مما ينعكس سلباً على أسعار المنتجات النهائية. وفي هذا السياق، تواجه البنوك المركزية تحديات كبيرة في موازنة بين احتواء التضخم وحماية النمو، وفقاً لتقرير نشرته وكالة رويترز في 2 نوفمبر.
تشير البيانات إلى وجود مفارقة ملحوظة؛ حيث تواصل المصانع في أوروبا والولايات المتحدة التوسع، بينما تفقد اقتصادات آسيوية رئيسية بعض زخمها، رغم الطلب القوي على أشباه الموصلات والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
**أوروبا: التوسع مع زيادة تكاليف الإنتاج**
أظهرت بيانات مؤسسة (S&P Global) تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي في منطقة اليورو إلى 52.7 نقطة في أكتوبر، مقارنة بـ 52.9 نقطة في سبتمبر، لكنه لا يزال يتجاوز المستوى الفاصل بين التوسع والانكماش. ورغم نمو الإنتاج للشهر العاشر على التوالي، فقد تباطأ إلى أدنى مستوى له في أربعة أشهر، بالتزامن مع ضعف نمو الطلبات الجديدة.
على الجانب الإيجابي، سجلت طلبات التصدير أسرع نمو منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، مما ساعد المصانع على التعافي. لكن هذا التعافي جاء بتكلفة متزايدة، حيث ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج بأسرع وتيرة منذ مايو، ما دفع الشركات إلى زيادة مخزوناتها ورفع أسعار البيع.
تظهر الفوارق بين الاقتصادات الأوروبية هشاشة التعافي، فبينما حافظت الصناعة الألمانية على توسعها، شهدت الصناعة الفرنسية تراجعاً ملحوظاً.
**ضغوط أسعار الطاقة وتأثيرها على المستهلكين**
تشير البيانات الرسمية إلى أن الضغوط السعرية بدأت تظهر قبل نتائج مسوح أكتوبر، حيث ارتفعت أسعار المنتجين الصناعيين في منطقة اليورو بنسبة 1.9% خلال أغسطس مقارنة بيوليو، وبنسبة 8.2% على أساس سنوي. كان للزيادة في أسعار الطاقة دور رئيسي في هذه الزيادة.
في سبتمبر، تسارع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.8%، ويُتوقع أن يصل إلى 4% في أكتوبر وفقاً لتقديرات استطلاع رويترز، على الرغم من أن هذه النسبة تبقى تقديراً غير رسمي.
**التباين في الأداء الصناعي في آسيا**
تظهر البيانات في آسيا صورة أكثر تعقيداً، حيث تراجع مؤشر التصنيع الصيني إلى 52 نقطة، بينما أظهرت البيانات الرسمية انكماش النشاط الصناعي. في اليابان وكوريا الجنوبية، تباطأ التوسع الصناعي إلى أدنى مستوى لهما في عدة أشهر.
رغم الطلب المستمر على الرقائق الإلكترونية، فإن ارتفاع أسعار الطاقة وضعف الاستهلاك يؤثران سلباً على الصناعات التقليدية. وقد حذر صندوق النقد الدولي من تباطؤ النمو الآسيوي إلى 4.4% في 2027.
**الولايات المتحدة: استمرار التوسع مع التضخم المرتفع**
في الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 55.5 نقطة، مدفوعاً بتحسن الطلب المحلي والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، ظل مؤشر الأسعار المدفوعة عند مستويات مرتفعة، مما يعكس استمرار ضغوط التوريد.
تتباين قدرة المصانع على تمرير التكاليف، حيث تختلف وفقاً لقوة الطلب والمنافسة. في ألمانيا، ارتفع مؤشر التصنيع، لكن تضخم أسعار البيع تباطأ، مما يشير إلى أن الشركات قد تتحمل جزءاً من الضغوط لحماية حصصها السوقية.
**التوقعات المستقبلية للبنوك المركزية**
تعزز نتائج أكتوبر احتمالات استمرار التشدد النقدي، مع توقعات بعودة البنك المركزي الأوروبي لرفع الفائدة في ديسمبر. تبقى المعادلة الأساسية مرتبطة بمدى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وقدرة المصانع على تمرير التكاليف. إذا استمر الطلب في قوته، قد تتحول الضغوط الصناعية إلى تضخم أكثر رسوخاً، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جديدة.





