
موقع بصراوي | الاقتصاد | كتبت: نورهان ناصر
تحولت بيئة العمل الحر في الصين بشكل جذري، حيث أصبح هذا القطاع أحد أهم وسائل الأمان في سوق العمل، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية. يعاني الاقتصاد الصيني من تباطؤ ملحوظ، مما أدى إلى تراجع فرص العمل في القطاعات التقليدية وزيادة عدد الخريجين الجدد، مما دفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل.
تجسد قصة باو تشانغ، البالغ من العمر 30 عاماً، هذا الواقع الجديد. فقد انتقل من العمل كمختبر برمجيات في قطاع التكنولوجيا إلى قيادة سيارة عبر تطبيقات النقل الذكي في بكين بعد فقدان وظيفته. يعكس هذا التحول مدى صعوبة العودة إلى مجالات العمل التقليدية، حيث يعمل تشانغ من الساعة السابعة صباحاً حتى منتصف الليل، محققاً دخلاً شهرياً يبلغ حوالي 6000 يوان (حوالي 885 دولاراً) بعد خصم تكاليف استئجار السيارة.
تشير التقديرات من مركز أبحاث أنماط التوظيف الجديدة في الصين إلى أن عدد العاملين في وظائف مرنة، أي بدون عقود عمل دائمة، قد يصل إلى حوالي 320 مليون شخص بحلول عام 2026، مقارنة بـ280 مليوناً في العام السابق. هذا الرقم يعكس حوالي 44% من إجمالي القوى العاملة الصينية، وهو قريب من عدد سكان الولايات المتحدة.
في هذا السياق، يعتبر اقتصاد المنصات الرقمية بمثابة شبكة الأمان الأساسية لسوق العمل، خصوصاً بعد فقدان العديد من وظائف البناء بسبب أزمة العقارات. كما أن الشركات في مجالات التصنيع قد قلصت أعداد العاملين نتيجة الأتمتة والتكاليف المتزايدة، مما زاد من الإقبال على العمل الحر.
تشير يانغ جان، أستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية، إلى أن نسبة العاملين من الطبقة الوسطى وخريجي الجامعات في هذا الاقتصاد قد ارتفعت بشكل ملحوظ، في ظل تراجع فرص العمل في الصناعات التقليدية.
رغم الفوائد العديدة التي يقدمها العمل الحر، إلا أن الخبراء يحذرون من تداعياته على نظام الضمان الاجتماعي. الاشتراك في برامج التأمين الاجتماعي لا يعد إلزامياً لغالبية العاملين في هذا القطاع، مما يثير القلق بشأن استدامة النظام. حذر تقرير من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في عام 2019 من احتمال استنفاد صندوق التقاعد الوطني بحلول عام 2035، وهو ما تم تحديثه في 2024 ليشير إلى إمكانية تأجيل هذا السيناريو من ثمانية إلى تسعة أعوام.
أظهرت دراسة أجرتها جامعة بكين أن أقل من 10% من العاملين في توصيل الطلبات يؤيدون جعل الاشتراك في التأمينات الاجتماعية إلزامياً، حيث إن ذلك سيؤثر سلباً على دخلهم. وفقاً لتقرير حكومي، بلغ عدد العاملين المرنين المشتركين في نظام معاشات موظفي المدن 70.6 مليون شخص حتى نهاية عام 2024، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة من إجمالي العاملين في هذا القطاع.
في ظل الوضع الحالي، يتعين على الحكومة إيجاد توازن بين دعم قطاع العمل الحر وضمان استدامة نظام الضمان الاجتماعي. يواجه المسؤولون تحديات كبيرة، حيث يجب عليهم ضمان استمرار نمو هذا القطاع لاستيعاب الباحثين عن العمل، مع ضرورة توفير آليات فعالة لحماية العاملين وتأمين مستقبلهم.





