أسرار “تريوندا” في مونديال 2026: أكثر من مجرد كرة!

في الملاعب الخضراء الكبيرة وعلى مستوى البطولات، وخاصة الكبرى منها مثل كأس العالم، لم تعد كرة القدم مجرد خرقة قماشية أو عدة كؤوس بلاستيكية، بل تحولت إلى عقدة اتصالات ذكية في شبكة معقدة تعتمد على تقنيات إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات اللحظية. توصيل كرة القدم بقابس الكهرباء لشحنها قبل المباريات لم يعد مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو الإجراء الروتيني الأهم الذي يضمن سير العدالة التحكيمية في كرة القدم الحديثة.
منذ انطلاق كأس العالم لكرة القدم، تم اعتماد كرات رسمية مختلفة، وأصبحت تخضع لتطوير تقني متلاحق، خصوصاً بعد بدء شركة أديداس بتصميمها في نسخة 1970، وصولاً إلى نسخة 2026 التي اعتمدت فيها كرة “تريوندا – Adidas Trionda” في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، خلال الفترة من 11 يونيو وحتى 19 يوليو 2026، وهي كرة حديثة مزودة بشريحة استشعار تتصل بتقنية حكم الفيديو المساعد “VAR”.
يتخذ اسم كرة البطولة وألوان تصميمها وفقاً للدولة المضيفة وثقافتها، وعادة ما تخضع للعديد من الاختبارات للتأكد من تطابقها مع المواصفات والمعايير التي يضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ويتم استغلالها تسويقياً عبر بيع الملايين من نسخها بمبالغ مرتفعة.
في أول نسخة من كأس العالم، عام 1930 في الأوروغواي، لُعب النهائي بكرتين نتيجة خلاف بين الأرجنتين والأوروغواي. الكرة الأولى من الأرجنتين واسمها “تيينتو” تقدم فيها الأرجنتينيون (2-1)، والثانية للمضيف الأوروغواي “تي موديل” كانت أكبر حجماً لتنتهي المباراة بفوز الأخيرة (4-2). قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم استخدام كرة واحدة رسمية بمعايير محددة بدءاً من بطولة كأس العالم 1934، ومنذ مونديال 1970 تقوم شركة أديداس بتقديم كرة جديدة.
كشفت شركة أديداس عن الكرة الرسمية “أديداس تريوندا – Adidas Trionda”، وهي كرة مزودة بمستشعر حركة عالي الدقة يعمل بتردد يصل إلى 500 هرتز، أي إنه يلتقط بيانات حركة الكرة مئات المرات في الثانية الواحدة، وهذه التقنية ليست للعرض فقط، بل مرتبطة مباشرة بأنظمة التحكيم الحديثة في بطولة كأس العالم.
كرة أديداس تريوندا ليست مجرد تحديث بسيط، بل تمثل جيلاً جديداً من كرات كأس العالم. فهي تحتوي على 4 ألواح فقط لتحسين الاستقرار الهوائي، ومزودة بمستشعر داخلي دقيق جداً، وتستخدم بطارية صغيرة قابلة لإعادة الشحن، وترسل بيانات لحظية بمعدل مرتفع جداً، ومصممة لتقليل تأثير التقنية على إحساس اللاعب بالكرة.
تؤكد أديداس أن وزن الكرة وتوازنها، حتى مع وجود التكنولوجيا، لم يتغيرا بشكل يؤثر في اللعب، حيث إن الشريحة الإلكترونية صغيرة وخفيفة جداً، وتبلغ نحو 14 غراماً، ولا يشعر بها اللاعب أثناء المباراة. وفقاً لتقارير تقنية رسمية، يحتوي هذا النظام على وحدة استشعار داخلية وبطارية قابلة لإعادة الشحن، ويتم شحنها عادة قبل المباراة باستخدام تقنية الشحن اللاسلكي، لضمان عملها طوال زمن المباراة الذي قد يصل إلى أكثر من 3 ساعات في بعض الحالات بما في ذلك الأشواط الإضافية.
تحتاج الكرة إلى الشحن لتشغيل المستشعر الداخلي الذي يقوم بمهام متعددة، أهمها تتبع لحظة ملامسة اللاعب للكرة بدقة شديدة، وقياس السرعة والدوران واتجاه الحركة، وإرسال البيانات مباشرة إلى أنظمة التحكيم مثل حكم الفيديو المساعد، ودعم أنظمة التسلل شبه الآلي. تشير تقارير الفيفا إلى أن هذه البيانات تستخدم لتحليل كل حركة تقريباً داخل الملعب، ما يساعد الحكام في اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
رغم الفوائد الكبيرة، فإن هذا التطور يثير جدلاً واسعاً بين الإيجابيات والسلبيات، حيث إن الكرة تعمل على تقليل الأخطاء التحكيمية، وتحسين دقة قرارات حكم الفيديو المساعد، وتحليل أعمق لأداء اللاعبين، ورفع مستوى العدالة في المباريات. لكن يرى البعض أنها تزيد من الاعتماد على التكنولوجيا بدل الحدس البشري، واحتمال إبطاء إيقاع اللعب بسبب مراجعة البيانات، وشعور بعض الجماهير بأن اللعبة أصبحت باردة أو تقنية أكثر من اللازم.
فوز البرتغال على كرواتيا في دور الـ32 من البطولة يعد مثالاً واضحاً على تأثير التكنولوجيا في دراما كأس العالم. فقد فاز منتخب البرتغال (2-1) في تورنتو وتأهل إلى دور الـ16، تاركاً لاعبي كرواتيا وجماهيرها في حالة من الإحباط الشديد بعد أن ظنوا أنهم سجلوا هدف التعادل في الدقائق الأخيرة، قبل أن يُلغى بسبب تقنية تعرف باسم “الكرة المتصلة”.
أثار تدخل التقنية بهذا الشكل غضب المتضررين منها، فقد ألقى مشجعو كرواتيا زجاجات على أرض الملعب، وأطلقوا صافرات الاستهجان احتجاجاً على قرار الحكم احتساب حالة التسلل على اللاعب ماريو باشاليتش وإلغاء هدف كان سيذهب بالمباراة إلى التمديد. وجد كثير من المشجعين صعوبة في التوفيق بين ما رصدته التكنولوجيا وما رأوه بأعينهم وشعروا به عاطفياً.
المصدر: RT + وكالات
